ساطع نور الدين

فتحت ابواب الحوار الداخلي، بعدما اقفلت ابواب التوسط الخارجي، لان احدا في الخارج لا يريد التورط، ولا يملك صيغة سحرية تحيي مرة اخرى شعار لا غالب ولا مغلوب، الذي كان على الدوام مجرد خدعة، او هدنة بين حرب اهلية وأخرى.

لكن ابواب الحوار الداخلي فتحت بقرار خارجي واضح حظي بالاجماع العربي والدولي وأبلغ الى جميع الفرقاء من دون استثناء: الحل هو مسؤولية اللبنانيين انفسهم، ولا مجال للمزيد من الاوهام والاحلام حول وساطات خارجية، استدرجها البعض وروج لها البعض الآخر، وتمناها الجميع.

وهذا القرار الخارجي لم يكن بدافع التهرب من نداء الواجب العربي او الايراني تجاه لبنان، ولا بدافع الحرص على الحق في ان يتولى اللبنانيون ادارة شؤونهم وحدهم. كان بمثابة ترجمة لتحولات جوهرية طرأت في الآونة الاخيرة على الوضع الداخلي اللبناني، وعلى موازين القوى الخارجية التي تتولى ادارة الصراعات اللبنانية.
بمعنى آخر، يعبر هذا القرار عن احساس خارجي عام بأن المعارضة وصلت الى طريق مسدود في حملتها الضارية لتغيير المعادلة الداخلية التي بلغت حد طرق بوابة السرايا الحكومية، وباتت الآن مستعدة للتراجع والقبول بتسوية تخرجها من الشارع وتعيدها الى المؤسسات.. وتدفعها للموافقة على المحكمة اللبنانية ذات الطابع الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كسبيل وحيد لتفادي خطر تشكيل محكمة دولية تحت الفصل السابع.

وينسجم هذا القرار ايضا مع حقيقة راسخة أفصحت عنها السعودية في اكثر من مناسبة وبأكثر من صيغة، وهي انها لن تقبل بأي شكل من الاشكال بالنفوذ الايراني المفرط في بلد عربي مهم مثل لبنان، وترفض التسليم بأنه يمكن ان يتحول الى عراق آخر يجري تقاسمه بين العرب والإيرانيين، وهي تركز جهدها السياسي والمالي على الحد من ذلك النفوذ الذي كشفته الحرب الاسرائيلية الاخيرة، وليس على التقدم بمبادرة سعودية إيرانية مشتركة كما شاع مؤخرا في بيروت.. أو كما شاء البعض في دمشق.

ما يجري من حوار داخلي هو مسعى أولي لاستكشاف مدى استعداد المعارضة للتراجع عن مطالبها التي بدت اشبه بمشروع انقلابي على الحكومة والدستور والتوازن الطائفي والمذهبي الدقيق.. وهو ايضا استجابة لقرار خارجي بأن تعود الامور الى نصابها المحلي، الذي يقطع الطريق على أي دور ايراني، وحتى سوري، في اعادة انتاج السلطة اللبنانية.
وهو ايضا جهد اضافي يستكمل الحملة التي تتعرض لها إيران، والتي ادت الى ملاحقتها في العراق ومحاصرتها في فلسطين، وانتقلت مؤخرا الى الداخل الايراني بطريقة اعادت الى الاذهان الحملة الغربية القديمة على الاتحاد السوفياتي وما شهدته من تفجيرات وتوترات وخروج منشقين بارزين مع أسرارهم.

قد يكون ما سبق قراءة مبالغة لمغزى استئناف الحوار الداخلي. لكن المؤكد انه لا يعــبر عن عودة الوعي والتعقل والحكمة الى القوى المحلية، بقــدر ما يوحي بتــقدم عربي ودولي في لبنان، على حساب الانكفاء الايراني، ولو المؤقت، والقلق السوري من اقتراب لحظة الحقيقة..