داود الشريان

برر الرئيس العام لـ laquo;هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكرraquo; في السعودية الشيخ ابراهيم الغيث عدم عناية الهيئة بما يكتب عنها في الصحف المحلية، وقال في مؤتمر صحافي laquo;ان الرئاسة تدرس كل ما يكتب ضدها وتنظر في مصالح الرد عليها ومفاسده، وترى عدم جدوى الرد على من يحاول التحرش، او بالاحرى الاساءة اليها، فربما أعاد النظر لاحقاً في ما كتب...raquo;. كلام الشيخ تضمن نصف الاجابة، والنصف الغائب منها هو ان الهيئة عاشت سنوات طويلة لا تسأل عن تصرفات رجالها او من يدَعون الانتساب اليها، فهي كانت ولا تزال جزءاً من المؤسسة الدينية السعودية، وهذه المؤسسة بقيت حتى وقت قريب بعيدة عن النقد او حتى الحوار معها، لكن هذا الامر تغير الآن واصبح اعضاء laquo;هيئة كبار العلماءraquo;، وهي رأس الهرم في هذه المؤسسة، يدخلون في نقاشات وحوارات مع الكتاب والصحافيين، وانخرطت المؤسسة الدينية بكل فروعها في الحوار المنفتح الذي تشهده السعودية اليوم، أما laquo;هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرraquo; فهي لا تزال تملك حساسية مفرطة تجاه ما يكتب عنها وعن اداء رجالها.

صحيح ان الهيئة ظُلمت كثيراً، وكُتبت عنها مقالات تفتقد موضوعية النقد، وتفنن بعضهم في تلفيق الاشاعات حولها. لكن هذا لا يعني انها بلا اخطاء، ويكفي للتدليل على ذلك مراجعة التجاوزات التي نشرت خلال هذا الاسبوع في الصحافة السعودية. وفي المقابل، نشرت الصحف ايضاً تجاوزات ضد رجال الهيئة من الجمهور كان أبرزها الاعتداء على وكيل الهيئة في المنطقة الشرقية الشيخ فلاح موسى الزهراني، وحادث الشيخ الزهراني لا يمكن فصله عن غياب الحوار بين الناس والهيئة، او سوء العلاقة بين الطرفين. وتصحيح هذه العلاقة مسؤولية الهيئة قبل غيرها، فالمثير في حادث الاعتداء على وكيل الهيئة قوله لصحيفة laquo;عكاظraquo; السعودية: laquo;اكتفى المارة الذين تجمعوا في الموقع بالفرجةraquo; اي ان احداً لم يهب لنجدة الشيخ من الذين تعرضوا له بالضرب وعددهم 25 شخصاً حتى وصلت الشرطة وفكت الاشتباك وقبضت على بعض المشاركين بالاعتداء.

مشهد الاعتداء على رجل الهيئة في مدينة الخبر ليس الأول، ولن يكون الأخير طالما ان الهيئة لا تصغي الى الناس ولا تتفهم ظروفهم، ولا تتعامل مع جهازها باعتباره جزءاً من اجهزة الدولة المعنية بخدمة الناس وليس الوصاية عليهم، وتعتقد ان نقد عملها laquo;تحرش واساءةraquo;، فضلاً عن ان استمرارها في تضخيم حصانة منتسبيها سوف يسيء، على المدى البعيد، لمبدأ الحسبة في الاسلام الذي أُسست عليه هذه الهيئة، ونظام الحسبة مبدأ عظيم ومهم وهو مكمل لعمل اجهزة كثيرة في المجتمع اهمها وزارة الداخلية والبلديات، ووزارة التجارة وغيرها، لكن الحاصل اليوم ان عدداً من رجال الهيئة لا يملك تعريفاً محدداً لعمله، ولا يفرق بين الحسبة والوصاية ويعتقد انه مخول بصلاحيات تنفيذية لا حد لها ولا ضابط، ومن هنا نشأت المشكلة واخذت ابعاداً خطيرة اهمها الاساءة لصورة الدعوة والحسبة في الاسلام.

تبقى الاشارة الى انه لا احد في السعودية سواء على المستوى الرسمي او الشعبي يسعى الى تقليص عمل الهيئة او الغائها، فهي مؤسسة وطنية عريقة وجزء من الملامح الاصيلة للدولة السعودية، لكن هذه الهيئة في النهاية هي مؤسسة تهدف لتطبيق نظام الحسبة، وينبغي لها ان تعيد النظر في اسلوب عملها الراهن وتستدرك مدى انسجامه مع شروط هذا النظام الارشادي والرقابي الفريد، وبغير هذه الخطوة ستبقى الهيئة مصدراً لخلق المشاكل عوضاً عن علاجها، واول خطوة نحو هذا التصحيح المرتقب هي بالانتقال من مبدأ الوصاية الى الاتصال والحوار ودعوة الناس بالحسنى.