الخميس 15 مارس 2007


خيري منصور


تبعاً لما قاله معلق أمريكي لطالما سخر من الرئيس بوش وطاقمه المحافظ فإن الولايات المتحدة تنتج من الكراهية أكثر مما تنتج من ثاني أوكسيد الكربون، وكان يشير الى زفير البشر والمصانع في الولايات المتحدة التي تسهم بأكبر نسبة من تلوث الفضاء وفساد البيئة.

ولا أدري بالضبط ما الذي علق به هذا الساخط الأمريكي على زيارة الرئيس بوش لما يسميه الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، أي أمريكا اللاتينية التي تجرعت من المرارة الأمريكية ما يكفي ويزيد. لقد استقبل أهل ساو باولو الرئيس بوش بما لا يروق لمن تحمسوا لزيارته. وكانوا أشبه بتلك الكوميديا السينمائية التي حملت اسم ldquo;زيارة السيد الرئيسrdquo;، تيمناً بعنوان مسرحية لفردريش دورنمات بعنوان ldquo;زيارة السيدة العجوزrdquo;.

ساو باولو وشقيقاتها اللاتينيات وحتى بنات العمومة والخؤولة صرخن في وجه الزائر الثقيل، وتذكر الناس تلك اللحظة التي أعلن فيها اللاتينيون العصيان والغضب على زائر الظلام كريستوفر كولومبوس، الذي اقترن اسمه بالشقاء وببواكير النظام العالمي الجديد، الذي يرى البعض ممن لا ترضيهم القراءات السريعة والأفقية للتاريخ بأنه بدأ قبل خمسة قرون، وبالتحديد عشية سقوط غرناطة عام 1492.

ان جولة الرئيس بوش في الحديقة الخلفية لبلاده لن تكون سارة، وذات نهايات سعيدة، فمن ساو باولو الى اوروغواي وكولومبيا والمكسيك، سيواجه الرئيس سخطاً لا سبيل الى اخفائه أو حتى التقليل من شأنه تحت يافطات الترحيب البروتوكولي، خصوصاً أن جولة بوش تزامنت على نحو دراماتيكي مع جولة لخصمه اللاتيني اللدود شافيز، الذي يسميه الشيطان ذا الرائحة الكبريتية.

حتى نساء الحديقة الخلفية استثمرن يومهن العالمي لتحويله الى مظاهرة شاجبة للسياسة الأمريكية في العالم، لأن الكراهية للولايات المتحدة باعتراف الأمريكيين الضليعين في هذا الفقه السياسي شملت القارات كلها ولم تسلم منها حتى أمريكا ذاتها، ما دام هناك آباء فقدوا أبناءهم ونساء ثواكل وأرامل لا يعرفن متى سيستقبلن الأبناء العائدين في توابيت ملفوفة بالأعلام.

إن المذاق الأمريكي في حلق القارة اللاتينية المنكوبة بتاريخ اسود من الجنرالات والسماسرة وتجار الموت بالغ المرارة، وما قاله كاسترو ذات يوم ردده آخرون بنبرات متفاوتة.

الحديقة الخلفية إذاً ليست مزدانة بالأزهار وعناقيد الفاكهة الشهية، إن فيها من الأشواك والعقارب ما يهدد الزائر الثقيل، ولا يعده بالمناديل الحريرية التي تلوح بأيدي مستقبليه.

ولأن حجب الصورة لم يعد متاحاً لأحد، فإن ما نراه على امتداد عواصم العالم من نفور متصاعد من الولايات المتحدة، يجد ما يضاعفه ويغذيه ويمده بالمزيد من السم لا من الجلوكوز، لأن الولايات المتحدة أخذتها العزة بالإثم، وكابرت وحرمت شعبها من حقه في المساءلة المشروعة عن الخسائر المتفاقمة في الدم والمال الذي هو في نهاية المطاف من دافعي الضرائب.

وما يستحق الالتفات هو أن الهتافات التي يجابه بها الرئيس بوش ضد العولمة، إنما هي تعبير عن قناعة أوشكت أن تصبح كونية بأن العولمة ما هي إلا صيغة مهربة ومخففة للأمركة.