الجمعة 16 مارس 2007

د. حسن مدن


هناك جانب مهم في أمر التركيبة السكانية في مجتمعات الخليج لم يحظ بالاهتمام العائد له، نعني به الجانب الثقافي من آثار العمالة الأجنبية في التكوين العام لمجتمعات الخليج. والمقصود هنا ما تتركه العمالة الوافدة من الدول الآسيوية على التعبيرات الثقافية في مجتمعاتنا، خاصة ونحن نعلم أن الهجرة الأجنبية إلى الخليج ليست أمراً حديثاً جاءت به الطفرة النفطية وحدها، وإن كانت هذه الطفرة هي وراء هذه المعدلات العالية من الهجرة التي نشهدها حاليا.

لقد عرفت المنطقة هجرات سابقة من إفريقيا ومن فارس ومن الهند، والدارس لبواكير تشكل المدينة الخليجية الحديثة، وآليات تشكل النخب التجارية في مطالع القرن العشرين، سيلاحظ أن هذه الهجرة كانت عاملاً ldquo;أصيلاًrdquo; في رسم صورة المجتمع يوم ذاك، وأنها تركت في ما بعد آثارها العميقة في الحقول المختلفة التي يمكن ملاحظتها اليوم في حقيقة أن النسيج السكاني الأساسي، الذي ندعوه اليوم مواطني دول الخليج، تفريقا لهم عن المقيمين من أبناء الجاليات الأخرى، بما فيها الجاليات العربية، انطوى على عناصر مختلفة استطاع المجتمع يومذاك أن يدمجها ضمن نسقه الثقافي العربي الإسلامي بعدما امتص منها مؤثرات مختلفة نلحظ بعضها مثلا في الفنون على أنواعها خاصة في الإيقاعات وفي الموسيقا بشكل عام، ونلحظها في ما يمكن أن ندعوه ldquo;المطبخ الخليجيrdquo;، أي من الوجبات والأكلات التي وفدت من البلدان المجاورة، ونلحظها كذلك في أشكال العمارة التقليدية التي اكتسبت جماليات معمارية وفدت إليها وتكيفت مع عناصرها المحلية مشكلة في ما بعد صورة خاصة للعمارة المحلية.

نرمي إلى القول إن هذا التلاقح الثقافي تم بسلاسة وببطء واستطاع المجتمع الخليجي المحلي أن يغني ثقافته وفنونه بهذه المؤثرات، وأن يهضمها ويستوعبها حتى غدت ملمحاً من ملامحه، وبحيث بات من المستحيل تصور أشكال التعبير الثقافي والفني بإسقاط هذه الحقيقة من الاعتبار.

وبالمناسبة فإن الخليج ليس حالة فريدة أو خاصة مسألة التلاقح هذه، فالدارسون والمؤرخون يعرفون أن المدن المصرية الكبرى مثلاً، خاصة القاهرة والإسكندرية كانت في مطالع القرن العشرين ساحة تفاعل بين عناصر ثقافية من جنسيات مختلفة رسمت في ما بعد صورة النهضة الثقافية الحديثة لمصر في مجالات الموسيقا والتشكيل والعمارة والمسرح والصحافة وسواها، وما يصح على مصر يصح على بلدان عديدة أخرى.

لكن الأمر بالنسبة للهجرة الآسيوية إلى بلدان الخليج التي جاءت مع الطفرة النفطية، مختلف بصورة تكاد تكون جذرية، ذلك بأن المؤثرات التي تركتها في الحقل الثقافي تبدو شديدة السلبية، والمثل الساطع على ذلك هو هذه اللغة ldquo;العربيةrdquo; المكسرة التي أصبحت وسيلة تفاهم أساسية في الشارع وفي الأسواق وفي أماكن العمل بديلاً لا عن اللغة العربية فقط، وإنما أيضاً عن اللهجة المحلية ذات النسق الخاص بها، والذي يستمد قواعده من اللغة الفصحى الأم شأنها في ذلك شأن كل اللهجات العربية الأخرى.. هذا التوصيف بحاجة إلى توضيح أكثر نسعى إليه غداً.