السبت 17 مارس 2007

خيري منصور


توصف بعض المهن بما يوحي بامتيازها أحياناً وبعيوبها أحياناً أخرى، فالصحافة وصفت بمهنة المتاعب لاقترانها الأبدي بالسهر وحمى الاشتباك والمواجهة، ووصف شاعر جزائري مهنته بأنها المهنة التي تفقد الطائر ريشه، وتنتفه وهو على قيد الحياة كي يبقى أسير الجاذبية ولا يحلق عالياً، أما مهنة الأمين العام للأمم المتحدة، فقد وصفتها أكثر من صحيفة أمريكية بأنها المهنة المستحيلة، وليست الصعبة فقط، وما بين الصعوبة والاستحالة ما بين الممكن والمتعذر من مسافة مأهولة بالحلم. ولا نظن أن هناك أميناً عاماً واحداً تسلم منصبه من دون أن يشعر للحظة بالفزع، لأن السيطرة على العالم ليست متاحة لأحد، حتى لو كان مسنوداً بشرعية دولية، ورزمة من القوانين التي تتشكل منها درع لحمايته.

الأمين العام يدرك منذ اللحظة التي يتم فيها تعيينه أن ما دار وراء الكواليس هو أضعاف المعلن عن انتخابه، وما من ديمقراطية مشروطة كهذه الديمقراطية التي تعاني من خلل مزدوج، بدءاً من سجال المصالح الذي يدور وراء الكواليس قبل تعيين الأمين العام، حتى ديكتاتورية الفيتو.

وقد وصف أحد المعلقين ذات يوم عيني الأمين العام الأسبق ديكويلار بأنهما دائماً على وشك البكاء، ليس فقط لأن الحقبة الدولية التي تولى خلالها منصبه كانت ملتهبة، بل لأن مهنته وثيقة الصلة بالخراب الذي تخلفه الحروب وبالمجاعات والكوارث، إضافة إلى صعوبة الإمساك بعصا المايسترو أمام فريق دولي يعزف كل واحد فيه على هواه، وعلى آلته الخاصة.

لكن من هو الأمين العام الآخر غير ديكويلار الذي لم تكن عيناه على وشك البكاء؟ هل هو الأمين العام الذي شهد أزمة خليج الخنازير ووقوف العالم كله على كف عفريت؟ أم ذلك الذي تدفقت أمام ناظريه موجات النازحين والجرحى من كل صوب في هذا الكوكب؟

ما من أمين عام ودع منصبه مثلما تسلمه بباقات الورد أو بانتظار اللقاء مرة أخرى.

ولو استعرضنا الأمناء العامين للأمم المتحدة منذ كانت عصبة حتى أصبحت مطية لواشنطن فإن الرواية ستكون من ألفها إلى يائها درامية بامتياز، ذلك ببساطة لأن الحروب لم تتوقف، والطغيان لم يأخذ إجازة، وسطو الأقوياء على الضعفاء لم يصل إلى فصله الأخير.

وقد لا يترك صاحب هذه المهمة العسيرة كي لا نقول المستحيلة منصبه دون أن يشعر باثم ما في الذاكرة، أو وخزة في الضمير، لأنه بالتأكيد حاول أن يقول كلمة الحق، لكن بأضعف الإيمان، ومنهم من كظم غيظه، ولم يقلها لأن تكلفتها باهظة، خصوصاً في الحقبة الأمريكية التي أوقفت الأرض على قرن رأسمالي واحد وبدت المعادلة الدولية كما لو أنها عرجاء.

وما من مرة نتذكر فيها هذه المهمة العسيرة أحياناً والمستحيلة غالب الأحيان إلا ويخطر ببالنا أن نقارنها بمهنة الأمين العام للجامعة العربية. فهي أيضاً مهمة توشك على الاستحالة، لأن العازفين العرب على أوتار متباعدة، لا سبيل إلى التئامهم في أوركسترا إلا موسمياً ولبعض الوقت، ولبضعة أيام من العسل لن تبلغ الشهر على الاطلاق، قبل أن يقع طلاق بائن بينونة كبرى.

تلك مهمات دولية وإقليمية بالغة الصعوبة، في عصر طغت فيه البراغماتية على كل شيء، وأصبح هاجس النجاة أضعاف ما كان عليه في أي زمن مضى.

وقيادة عربة يجرها حصانان قد تبدو أسهل من قيادة أخرى تجرها عشرة أحصنة، وقدر هذه العربة الأرضية أنها تتحول أحياناً إلى زلاجة على الجليد أو توضع الهراوات في دواليبها، وهذا ما يفسر هذه المراوحة الدولية التي جعلت كوكبنا المحتل يدور على طريقة ldquo;محلك سرrdquo;.