الأثنين 19 مارس 2007

محمد خالد

ldquo;تبدأ المعجزات بالتحقق عندما تعطي نفس

الطاقة لأحلامك مثل التي تعطيها لمخاوفكrdquo;

(ريتشارد ولكنز)

***

من السهل أن تختار المقاومة وحدها، ومن السهل أن تختار السلطة وحدها.

المأزق أن تكون في السلطة والمقاومة معاً، فلا أنت قادر على الحكم، ولا أنت قادر على المقاومة.

هذه هي معضلة حماس في فلسطين، ومأزق حزب الله في لبنان إذ تصبح السلطة عبئاً على المقاومة، وتصبح المقاومة عبئاً على السلطة.

في ظل احتلال أو هدنة مع العدو يكون التنازل الإجباري للسلطة هو وقف الكفاح المسلح -أحد أهم أشكال المقاومة-.

في المقاومة يكون الكفاح المسلح حراً وشرعياً ضد الاحتلال، أما في السلطة فيكون استمرار العمل المسلح بمثابة إعلان حرب من دولة ضد دولة، وهذا هو الملعب المفضل للعدو المحتل، إذ يسهل عليه تسويق البطش كنوع مشروع من الدفاع عن النفس كما يفعل العدو الصهيوني في فلسطين.

عندما كانت حماس خارج السلطة لم تكن تأبه لارتباطات السلطة الفلسطينية مع العدو أو الآخر سياسياً، فكانت تقاوم من دون تنسيق وفي كثير من الأحيان كإحراج للسلطة واضعاف لموقفها وعندما جاءت الى الحكم اكتشفت المأزق، فأوقفت العمل المسلح ولم تستطع ان تربح السلطة، وكما قيل فقد كانت تصلي في الوزارة وتحاول ان تحكم من المسجد، فلم تربح أي منهما.

حزب الله ربح عسكرياً وخسر سياسياً إذ فقد حرية التحرك والتصرف في جنوب لبنان فاستدار نحو بيروت يريد تعويضاً مجانياً بمزيد من السلطة السياسية فاكتشف ان المعارك السياسية في بيروت أشد تعقيداً من المعارك العسكرية على الحدود.

إلا أن مشكلة حزب الله أقل تعقيداً من مشكلة حماس لأن لبنان بلد محرر ومستقل بعكس حماس التي تعمل في فلسطين المحتلة والمحاصرة من كل الجهات، وفي كلتا الحالتين فإن رئاسة الحزب المقاوم غير رئاسة الحكومة الشرعية.

ما العمل؟ هل هو الخيار بين الكرسي أو الخندق، أم التوفيق بينهما؟

لقد كان أبوعمار أحد أمهر اللاعبين في هذا المضمار، فالكرسي هو الذي لم يغادره أبداً، وكان خياره النهائي هو التفاوض السلمي مع العدو ووقف العمل المسلح، إلا أنه أشعل انتفاضتين من أجل تدعيم خياراته السلمية، الانتفاضة الأولى أوصلته الى أوسلو، والثانية أوصلته الى القبر.

تجارب عالمية

لا يمكن استنساخ تجارب الشعوب في حروب التحرير الوطنية، فكل شعب له ظروفه وخصوصيته، ولكن حروب التحرير الوطنية لها قاعدة رباعية هي: (الرفض، المقاومة، الحصار، الاقتلاع)، هذه هي الاستراتيجية العامة أما التكتيك فهو الخصوصية المتعلقة بكل ظرف على حدة.

فيتنام:

القائد التاريخي هوشي منه خاض حرباً تحريرية قاسية ضد امبراطوريتين وهزمهما، ففي الشمال هزم الامبراطورية الفرنسية في معركة ديان بيان فو بوساطة قائدها الاسطوري جياب.

لاحقاً سيجتمع أبوعمار ومرافقوه مع جياب في زيارة لفيتنام الشمالية، وإذ يعرض أبوعمار أركان قيادته ومهامهم على القائد الفيتنامي يفاجأ الوفد بجملة بسيطة هادئة يوجهها جياب للوفد الفلسطيني: ldquo;من الصعب أن تنتصرواrdquo;. وعندما تساءل أبوعمار عن السبب قال جياب: ما كان يجب أن تعرفني على أركان قيادتك بهذه العلنية. فأجاب أبوعمار: أنت صديق للثورة الفلسطينية. فقال جياب: حتى ولو.. على قادتك أن يبقوا سريين فهذا هو القانون الأول لثورات التحرير.

وبعد أن تحررت فيتنام الشمالية تم تجهيز كل امكاناتها لتحرير جنوب فيتنام وطرد الامبراطورية الأمريكية منها.

ويذكر أن هوشي منه رفض استخدام القصر الامبراطوري كمقر له في شمال فيتنام وسماه قصر الشعب، وحسب طلبه بنوا له شقة متواضعة من غرفتين في حديقة القصر، واحدة للنوم وأخرى للمكتب.

وعندما مات دفنوه في قبر متواضع مثل صاحبه، وعن أمثاله قال ديجول: ldquo;للعاديين أضرحة فخمة.. وللعظماء لوحة صغيرةrdquo;.

الهند:

قاد المناضل الأعزل غاندي ثورة سلمية ضد الاحتلال البريطاني وحرر بلاده بسياسة اللاعنف والصبر وعدم الضياع عن بوصلة التحرير. وقد كان واضحاً في تلخيص ثورته السلمية: ldquo;انني أدعو الى اللاعنف ولكن بين العنف والجبن فإنني اختار العنفrdquo;. لأن الثورات السلمية ونضال اللاعنف يحتاج الى شجاعة وصمود يعادل شجاعة الكفاح المسلح.

الجزائر:

تشكل حرب التحرير الجزائرية واحدة من أوضح حروب التحرير في القرن العشرين حيث خاض الشعب الجزائري حرباً ثورية دفع فيها ثمناً باهظاً لاقتلاع الاستيطان الفرنسي من الجذور وذلك عن طريق الكفاح المسلح الدامي.

جنوب إفريقيا:

خاض ldquo;حزب المؤتمرrdquo; بقيادة نيلسون مانديلا حرباً سياسية وعنيفة ضد الاستيطان الأوروبي في جنوب إفريقيا الذي دام أكثر من قرنين من الزمن، ولقد رفض الحزب المساومة أو التنازل أو المفاوضات المجزءة، وهي النصيحة التي قدمها مانديلا لأبوعمار بأن يفاوض على جميع القضايا في سلة واحدة وأن يرفض تأجيل القضايا الأساسية لمراحل لاحقة. وبسبب صلابة وعناد تلك المقاومة اختار المستعمر الأبيض بذكاء أن يحدد مصيره بين الاقتلاع من الجذور أو القبول بالتحول الى أقلية مواطنة ترضى بحكم الأغلبية الوطنية.

لاشك بأن حركة التحرر الوطني الفلسطيني مطالبة بالدراسة الدقيقة لكل تجارب الشعوب القديمة والحديثة في التحرر الوطني، ويكمن الذكاء في اختيار وسائل النضال التي تدفع باتجاه الخيار التاريخي للغاصب الصهيوني بين الاقتلاع مثل الجزائر أو الاندماج كأقلية مع الأغلبية صاحبة الأرض مثل جنوب إفريقيا.. هل تفعل؟