ديفيد هارونوفيتش - التايمز
لعل من اقسى الاشياء ان تدرك أن أخيلتك لا تعدو كونها ذلك. مجرد أخيلة. وقبل أن نصبح مستثارين جميعاً، دعوني اوضح انني لا اتحدث هنا عن تخيل هيلاري كلينتون ببزة أفراد دوريات الطريق السريع الجلدية ملوحة بعصا ليلية. انني أتحدث عما نتخيله على أنه واقعي بدون توفر دليل واضح، مثل الأسباب وراء أمراضنا، او ما الذي كان سيحدث لو أن الأمور لم تكن تتصل بـ quot;سquot; أو quot;صquot;.
هناك في اميركا، ثمة واحد من شجارات الاعلام السخيفة المتعهدة بعناية، والتي تجري في هذه اللحظة، والمتعلقة ببرنامج الحوار HBO وهو يستضيف بيل ماهر. كان ماهر يتحدث عما يعرض على هذه البرامج الحوارية في أعقاب انفجار أوائل الشهر الجاري في قاعدة باغرام الجوية في افغانستان. وقال ماهر quot;أشك بنسبة الصفر في انه لو لم يكن ديك تشيني في السلطة، لما كان الناس ليموتون غداً بالضرورةquot;. ثم تقول الوثيقة النصية للبرنامج quot;(تصفيق)quot;. وفيما بعد يقول: quot;إنني أقول إنه لو مات فحسب... فان أناسا أكثر ربما يعيشون. وهذه حقيقةquot;. ولعل هذا يضم الكثير جداً من المسائل غير الموزونة في جملة واحدة، والتي لا تشكل حقيقة مهما كانت غير ذلك. أما إذا كانت غير ذلك، فهي مجرد خيال.
لكن الأكثر مضموناً بكثير من رأي ماهر القاسي والمجافي للحقيقة، فهو المقال الذي جاء على شكل شبه افتتاحية، والذي كتبه في مجلة نيويوركر في مطلع الشهر محررها النافذ ديفيد ريمنيك. والنيويوركر، ذات ميل بالطبع نحو الليبرالية والديمقراطيين، لكنها تعبر عن هذا الميل بذكاء، والناس يلاحظون ذلك.
كان ريمنيك يسأل نفسه السؤال quot;السيئ أكثر من كونه مؤلماًquot;، وهو كيف كانت الأشياء لتختلف لو أن آل غور هو الذي أعلن فائزاً. إن هذا السؤال مؤلم لان الاجابة عنه، وفق ريمنيك، هي ان الاشياء كانت لتكون افضل بلا حدود. وهو ما يعود في جزء منه إلى أن آل غور كان بالغ الكمال، لكونه كان متنوع الجوانب -في عين ريمنيك- مرحا، ذكيا، شريفا، صاحب مبادئ، صبورا ويمتلك هبة إصدار الأحكام الجيدة.
لكن الفارق ربما يعود في أغلبه الى الشعور بان قرارات آل غور كانت ستشكل نقيضاً كاملاً لقرارات بوش. ويتعلق الجدل الأكثر حدة هنا بالكيفية التي ربما كان تغير المناخ ليعامل بها، لكنها منطقة السياسة الخارجية هي التي عبّر الخيال المنعتق عن نفسه فيها.
يتم الاعتراف على مضض بأن آل غور وكلينتون كانا quot;اكثر يقظة بكثير إزاء الارهاب الاسلاميquot; مما كان عليه بوش. ولكن، وحتى مع ذلك، فان هجمات الحادي عشر من ايلول - سبتمبر quot;لم تكن ليتم تجنبها على الأغلبquot;. وربما ينبغي للمرء أن يتذكر هنا حقيقة ان الهجوم المخطط له مطولاً وقع بعد ثمانية اشهر فحسب من تغيير الادارة الاميركية. وعليه، فإن تسليم ريمنيك لا طائل تحته. لكنه يتساءل عندها quot;هل يستطيع احد ان يشك جدياًquot; بان ادارة آل غور كانت لتقوم بنجاح وبالضرورة بغزو أفغانستان، بينما كانت لتتجنب غزواً quot;خاطئا وغير مدروسquot; للعراق؟
حسنا، نعم، بالطبع يستطيع كل واحد أن يشك بشكل جدي. والرأى السائد هو أن آل غور، في ظل الظروف التي سادت في عامي 2001/2002، ما كان أبداً ليختار غزو العراق، مختارا ان يتعامل مع الاشياء بطريقة ما بديلة غير محددة. وربما يكون ذلك صحيحاً. ربما كان ليقول -كما قال باراك اوباما- إن صدام حسين لم يكن يشكل تهديدا كبيرا، او انه لا يتفق مع مدير وكالة الاستخبارات الاميركية - لسي اي إيه- في quot;قضية سلام دانكquot;، وان استمرار او تشديد العقوبات -بالرغم من الاستهزاء الدولي الواسع بها- كان افضل طريقة لوضع قرارات الامم المتحدة موضع التنفيذ، وان صواريخ كروز كانت لتسقط، مما يبدو على ضوء تاريخ ادارة كلينتون، على مكان أكثر احتمالاً.
لكن المشكلة تكمن في اننا لا نستطيع ان نعرف. وانا اشعر بأنني مصاب باليرقان نوعا ما لدى تذكر كل اولئك المحافظين البريطانيين في اواخر 2001 و2002، وهم يضغطون من اجل اتخاذ اجراء ما ضد العراق، بينما يقولون الآن quot;ما دخلي أنا، يا رجل؟ لقد ضللتquot;. وبوصفي ليبرالياً، فإنني استطيع ان افهم كيف ان المعركة غير السعيدة ضد اليمين الاميركي يمكن ان تسبغ لونها على حكم المرء. اما الضجة الاعلامية الثانية في نفس الأسبوع الأول من الشهر الحالي، فكانت ملاحظة الناقدة اليمينية الاتجاه آن كولتر، والقائلة بان الديمقراطي الصبياني الطامح جون ادواردز كان quot;حزمةquot;. لكن الحاق الاذى بالمشاعر الليبرالية حول هذه الاشياء ليس هو النقطة. إن الذي يحدث لا يتعلق بالمعركة بين اليمين واليسار أو بالأهانات. ولم يكن جورج دبليو. بوش قد أتى إلى المنصب وهو يقول quot;يجب ان اتدخل في شؤون العالم اكثر مما فعل بيل كلينتونquot;؛ وإنما تم تنصيبه وهو يعد بالقطب المعاكس. ثم سقط البرجان التوأمان، وكذلك فعلت المقاييس.
تضمن تحليل quot;المحافظين الجددquot; شيئاً من قبيل: كان هجوم 11/9 تجسيدا لايديولوجية كانت قد نمت تحت ظروف الدكتاتورية والفشل في الشرق الاوسط. ولكي يكون اي منا في اي مكان سالما، فإن تلك الظروف نفسها ينبغي أن يتم تغييرها. وكان من أحد تبعات ذلك تخلي بوش عن الفكرة الكيسنجرية الرامية إلى دعم وتعزيز الدكتاتوريات الصديقة. وفي ذات الوقت، فإن ما كان ينبغي منعه بأي ثمن كان إقران الإرهاب بأسلحة الدمار الشامل.
الآن باستطاعتك القول بأن هذا التحليل يمكن تطبيق بشكل اكثر او اقل ذكاء. لكن ما لا تستطيع العثور عليه هو ديمقراطي بارز يمكن أن يستنطق ذلك بجدية. دعني اعود بك الى حديث أوباما، في حوالي خريف 2004 عن ايران. قال اوباما في حينه quot;إن السؤال الكبير سوف يكون: اذا بقيت إيران مقاومة لهذه الضغوطات، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية التي آمل ان تفرض عليها اذا لم تتعاون، فعند اي نقطة سنلجأ الى الخيار العسكري؟... إن توجيه بعض الضربات الصاروخية لن يكون أفضل موقف يمكن أن نجد انفسنا فيه .. ومن الناحية الأخرى، فان وجود السلاح النووي بيد ثيوقراطية اسلامية راديكالية سيكون أمراً أسوأ. لذلك، أخمن بأن غريزتي ستقول بأنه سيكون من الخطأ جعل مثل تلك الاسلحة تقع في يد رجال الدين الحاكمين في ايران.quot; خطأ، كلا.
وفي السنة التالية، قال: quot;الآن، تتطلع الدول المارقة والانظمة الاستبدادية الى إنجاز، او تسارع الخطى في برامجها النووية الخاصة.... وبينما نتحدث، يسعى اعضاء القاعدة وغيرها من المنظمات الارهابية بجسارة وشغف للحصول على اسلحة دمار شامل، والتي اظن باننا كلنا نعتقد بانهم سيستخدمونها دون ترددquot;.
وعليه، ماذا كان (الرئيس اوباما) ليفعل في مواجهة هذه التهديدات؟ ربما كان ليفضل -من ناحية مبدئية- انتهاج المزيد من الدبلوماسية بالطبع. لكن، ماذا إذا لم يوصلنا التحدث إلى أي مكان، او اذا ما ووجهت إجراءات، مثل العقوبات، بطريق مسدود؟ إن المجردات تشكل عوناً للمخيلة؛ أما الواقع، فإنه يمطر على الاستعراضات الأكثر زيفاً. وبالنسبة للجمهوري او الديمقراطي، فانها تظل نفس المشاكل، وهي لم تذهب لانك انتخبت رئيسا جديدا.
ان التصويت لهيلاري او اوباما او حتى رودي او جون لا يغير النظام في بيونغ يانغ او الخرطوم، ولا يجعل الجهادي التالي يهيئ نفسه لتلك اللحظة السحرية، قائلاً لنفسه: quot;لقد صوتوا لغور؟ وإذن، أعتقد بأنني لن أزعج نفسي بالتفكير بذلكquot;.













التعليقات