ساطع نور الدين


الاستنتاج الذي يتردد على كل شفة ولسان بان اميركا فشلت في العراق طوال السنوات الاربع الماضية، صحيح الى حد بعيد، لكنه يعبر عن نوع نادر من مرض انفصام الشخصية، لا يصيب الا العرب والمسلمين، وقد لا ينفع معه أي علاج نفسي مهما كان صارما او مكثفا.
الفشل واضح جدا، لكن معاييره تحتاج الى تدقيق شديد، كما ان نتائجه تتطلب الكثير من الخوف والحذر. اما الاحتفال به فهو من غرائب الزمن، ومن عجائب العراق الذي لا يزال يفاجئ العالم كله بهذا القدر الهائل من الوحشية الموروثة منذ ان سكن البشر في تلك البقعة المضطربة.

في توصيف الفشل الاميركي لا يستقيم النقاش مع احد مهما كان عاقلا: اذا كان مشروع الاميركيين منذ اللحظة الاولى هو الخراب والدمار والتفتيت والتقسيم، فان الوقائع العراقية لا تسمح بالادعاء انهم فشلوا باي حال من الاحوال. نجاحاتهم في هذا السياق مذهلة وتفوق التصور. واذا كان مشروعهم منذ البداية هو حفظ الوحدة الوطنية العراقية وبناء دولة مركزية قوية ذات اسس ديموقراطية، كما كان زعمهم في بعض الفترات، فان فشلهم ظاهر ايضا.. لكنه بالتأكيد لا يستدعي الاحتفال ابدا.

ليس هناك دليل على انه كان لدى الاميركيين مشروع سوى الانتقام لهجمات 11 ايلول .2001 وقد اختير العراق لانه هدف اكثر اهمية وجاذبية من افغانستان، ويمكن ان يشفي غليل الاميركيين. وقد فكروا ايضا بالانتقال الى ضرب اكثر من بلد عربي ومسلم آخر بعد انجاز المهمة العراقية. ويقال انهم وضعوا نصب اعينهم سبع دول عربية واسلامية، تشمل لبنان طبعا.
وليس هناك دليل على انه صار لدى الاميركيين مشروع سوى الاحتفاظ بالعراق اطول فترة ممكنة، سواء بالاحتلال العسكري المباشر برغم ان تجاربهم الاستعمارية محدودة جدا او بالادارة السياسية المباشرة برغم ان خبراتهم العملية عريقة جدا وهي ترقى الى ما قبل مشروع مارشال الاوروبي في اعقاب الحرب العالمية الثانية.

المهم الان ان علامات الفشل الظاهرة في الذكرى الرابعة للغزو لا تحتاج الى دليل. لكن الاميركيين بلا شك حققوا انتقامهم. وباتوا، مثل أي منتقم، يبحث عن وسيلة لتجنب المحاكمة، او على الاقل للحصول على اسباب تخفيفية للحكم الذي يتبلور اليوم في بلادهم، لكنه يحتاج الى الكثير من الوقت والجهد لكي يستعيد النموذج الفيتنامي، ويؤدي في نهاية المطاف الى الخروج من العراق، واهداء شعبه حرية لا يستحقها، ولا يطلبها ايضا ..
طوال السنوات الاربع الماضية، كان النظر الى التجربة العراقية من وجهة النظر الاميركية مغريا. وهو ما ادى الى ذلك التشوه النفسي الذي يجادل في الفشل الاميركي، وينسى ان ثمة احتلالا اجنبيا لم ينتج للمرة الاولى في التاريخ عصبية وهوية ومقاومة وطنية فعلية..