فانوس تركي الدخيل في quot;الرايquot;
فتح رب السماء ببيان فضل البدناء
تركي الدخيل: الحمد لله الذي فضّل أقواماً على أقوام، ورفع بعضهم فوق بعضٍ درجات، وجعل من فضله ظهور آثار نعمته على أجساد البدين من خلقه. قال أبو عبدالله: وقد لامني بعض الأصحاب، ممن أدمنوا مواقعة الأكل والشراب، على ما كتبته، هنا، الأسبوع الماضي، بعنوان: laquo;الخطر الكويتي الداهمraquo;، واعتبرتُ خطر السمنة أشد فتكاً من شؤون السياسة وشجونها ومزالقها ودهاليزها، وهموم الاقتصاد وتعثره.
ولما كان المعاتبون يقعون من نفسي موقع الإجلال والاحترام، ولأن إشارتَهم إلزام، وجبرُ خواطرهم عندي التزام، وإذ قطعتُ على نفسي عهداً أن أنتصر للبدناء، ما استطعت، ضد ما يُمارس بحقهم من عنصرية بغيضة، فإني أُعلن من منبري هذا توبتي إلى الله مما كتبته في التحذير من البدانة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وبخاصة وقد جرحتُ مشاعر السِمان، أسأل الله أن يتوب عليّ وهو الكريم المنّان.
وقد فُتن بعض من جفّت عندهم الأحاسيس، ونضب لديهم التقدير، فظنوا، لفرط جهلهم، وظنهم لا محالة إثم، أن البدين شحوم بلا أحساس، ولحوم تكرشت فصنعت مساحات شاسعة بلا مشاعر للناس، وهذا قول ساقط، لا يقول به عاقل، وأدلة تهالك ظنهم مستفيضة، فلو عرضتَ زعمهم على الواقع لوجدتَ البدناء ألطف الناس معشراً، وأكرمهم أخلاقاً، وأوفاهم صداقة، وأثبتهم عند اللقاء، على ألا يكون اللقاء مع مائدة، والمؤمنون على شروطهم، وأشجعهم عند النزال، لا سيما نِزالُ الوَجَبات، ومصارعة الأطباق والحلويات.
ألا ترى البدين أكثر الناس استجابة لتكريم المُضيف، وأعظم القوم امتثالاً للقول الشهير: laquo;الأكل على قدر المحبةraquo;؟
فلماذا ينقمون من البدناء، لا أباً للناقمين الجبناء؟
أما يسركم أن البدين أكثر خلق الله امتثالاً للتوجيه الكريم: laquo;إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبدهraquo;. وإذا كانت معظم النعم جياشة فوّارة، تفوع ثم تضمحل، فإن البدانة من أقل النعم زوالاً!
ثم ألا يلفتكم ما استفاض على ألسنة الناس، إن فلاناً أوتي من الكنوز ما إن أرصدته لتنوء بخزائن البنوك، ومدخرات المصارف، وسندات أسواق المال، وإذا رأيتَه في أرثِ حال، أوشكتَ أن تتصدق عليه، فأين أثر النعمة على هذا المحروم؟
في حين لا يُخفي بدين أثر سمنته، ولو لبس الفضفاض، وارتدى الواسع مما كسى لونه البياض، وإن كان مقاس لبسه مضاعفات الـ laquo;إكس إلraquo;، وهذا من الاستمتاع بالنعيم، وإظهار فضل الله العميم، فهل يخفى ذلك على من أنار الله بصيرته، وفتح على قلبه؟
واعلم أن المنصب، والجاه، والشهرة، والرئاسة، والإمارة، والغنى، تبدو لقوم وتخفى على آخرين، أما السمنة فلا تخفى إلا على كفيف، وإن كان سيتلمسها بوعيه إن سمع للبدين كلاماً جميل الوقع، خفيف الأثر، نديّ المعنى. السمنة يا سادة يا كرام لا يحتاج الناظر إلى البدين أن يعرفه منذ زمن ليكتشفها، ولا أن يكون السمين مشهوراً، ذائع الصيت، عظيم السلطان، ليعرف القوم ما أنعم الله به عليه من سمنة وبدانة. ولئن كانت الكويت من أكثر دول العالم ارتفاعاً في نسبة البدانة، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ولا يغُرنّك وهمُ البعض، وزيفُ قولهم إن laquo;البطنةَ تذهب الفطنةَraquo;، أي أن ذا البطن السمين، مفتقد بسبب سمنته ذكاءه وفطنته، فهذا قول مردود، ولا أحسب قائله غير حسود، ساءه تميز البدناء، وسيرُهم بين الخلق مميزين يُشار إليهم بالبنان، كما لو كان واحدهم شامةً على خدٍ أبيض. فأما رد ذاك القول بالاستقراء، فإن الفكاهةَ، وخفة الدمِ، وحُضورُ البديهة، مما اشتهر به السِمان، منذ سالف العصر والأوان، وها هم علماء الإسلام، ونوابغ العلم والمعرفة، يبدو أحدهم كالجمع من البشر، في شخص واحدٍ، علماً وحضوراً وحجماً وامتلاءً. ولعَمري فإنَ ما يتعارض مع الواقع، حقيق بالرد، فكيف إذا خالف العقل والمنطق، الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون.
فوالذي نفس أبي عبدالله بيده، لقد سمعتُ من تشنيع بعض سفهاء المعاصرين، على البدناء، ما يجعلك تظنُ أن السمينَ يُشاركهم مأكلهم ومشربهم، ويشاطرهم فراش نومهم! وكأن الأرضَ ضاقت عليهم بما رحُبت، ومصدرُ ضيقها بدانةُ أصحابنا السِمان!
هذا ما أردتُ بيانه نقضاً لما ذكرته في مقالة سابقة، ومن رأى الحق عياناً فلم يعُد إليه فهو رجل سوء، وما أودُ أن ألقى اللهَ وفي نفس سمينٍ عليّ عتب، فلتهنَكُم الموائد العامرة أيها البدناء...ولا نامت أعين الجبناء!
كاتب وإعلامي سعودي












التعليقات