الأربعاء 21 مارس 2007


عقيل عبدالخالق اللواتي

كيف تستطيع مجموعة شباب ان حمل السلاح ورمي مجموعة مدنيين يستقلون حافلة تنقلهم الى مكان عملهم او اقامتهم؟ ما الذي يدفع مجموعة شباب ان يشنوا هجوما مسلحا على شباب وشابات مثلهم، وهم يهمون بالخروج من جامعاتهم بعد يوم طويل امضوه في الدراسة وتحصيل العلم؟
كيف يستطيع شاب ان ينفذ عملية انتحارية، تقتله وتقتل معه بشرا مثله يشاركونه في الانسانية أو القومية أوالدين وربما في الطائفية ايضا؟
من اين يأتي هذا الارهاب، الذي يطلق عليه جهاداً حيناً، ومقاومة حيناً آخر، واستشهاداً حيناً ثالثاً؟ هذا الإرهاب الذي أصبح ظاهرة .. و أصبح جزءاً من الحياة العربية والاسلامية.. وأصبح هو الشاشة التليفزيونية العربية والاسلامية اليومية المعتادة الملطخة بالدماء.
هناك اسباب كثيرة .. بعضها سياسية وبعضها الآخر دينية وبعضها طائفية وبعضها اقتصادية... لكن التأمل في كل هذه الاسباب المحتملة، سوف يؤدي الى اكتشاف خلفية ثقافية لها.
ثمة عقلية تتحكم بسلوك هؤلاء الشباب، تتألف من مفردات تتدخل بالاعتقاد والافكار والتصورات والاهداف والنوايا، وتشكل منظومة ثقافية تتحكم بسلوك هؤلاء الشباب وتسمح لهم بالقيام بما يقومون به.
تمتاز هذه العقلية بانها مغلقة ومنغلقة. لا تستطيع ان ترى الاخر، ولا تتحمل التعايش معه، ولا يمكن فتح نقاش وحوار معها، وتعتقد انها دائما على (صح) وغيرها في المقابل دائما على (خطأ).
فالمشكلة ثقافية، بالمعنى الواسع للثقافة الذي يتعلق بمحددات السلوك ودوافعه والتي تتحكم بتصرفات الافراد. وما لم يتم التوجه الى حل البعد الثقافي لهذه المشكلة، ستبقى كل الحلول تسبح في سطح المشكلة بدون الغوص الى عمقها.
أقول ذلك لأن نمطًا واحدًا من الفكر والثقافة هو الغالب في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية. فكر أحادي الاتجاه، فردي الرأي لا يقبل الآخر، ويدَّعي أنه على حق دائمًا، وانه وصي على افكار الناس أو رسول للحقيقة والهداية.. لأن مرجعيَّته هو الله.. وهو الحق .. والحقيقة؛ فكر يضعنا في تناقض مع أنفسنا ومع الآخرين.
الآخر المختلف عنا في أي جانب من جوانب الحياة، قد يكون آخر من حيث انتمائه الاجتماعي، لعرق أو قومية أو قبيلة. وقد تكون آخريته لجهة انتسابه الديني والثقافي، لمبدأ أو مذهب أو مدرسة فكرية. كما قد يكون اختلاف التوجه السياسي أو النهج السلوكي سبباً لتشكيل الآخرين. والآخر قد يكون أيضا جزءاً من بيتنا العائلي وأسرتنا الصغيرة حيث قد يختلف الدين أو المذهب أو المسلك بين الزوجين وبين الوالدين والأولاد، وفيما بين الإخوة الأشقاء. وقد يكون جاراً لنا في السكن أو زميلاً لنا في العمل. وفي إطار أوسع قد يكون شريكاً لنا في الوطن والانتماء الحضاري. وعلى المستوى الدولي هناك جوار جغرافي وتشابك في المصالح خاصة في عالم اليوم الذي أصبح قرية كونية واحدة.
هذا الفكر المتشنج الجامد المنطوي على ذاته والذي يعمل جاهدا على محاصرة الفكر الآخر أو إقصائه من الساحة وتكريس الفكر الأحادي الاكراهي يسري كالدم في العروق وينتشر بقوة بين مختلف طبقات مجتمعاتنا العربية والاسلامية. فهو في الشارع والبيت والمؤسسة والقبيلة والمجتمع والتجمعات الثقافية مثلما هو في المسجد أو الحسينية حيث يعمهما مصلون و متدينون.
ففي بيتنا العائلي وأسرتنا الصغيرة حيث قد يختلف الدين أو المذهب أو المسلك بين الزوجين وبين الوالدين والأولاد، فان رب الأسرة هو صاحب القرار في كل شيء. فلا حوار ولا تقبل للرأي الاخر.
وفي القبيلة تكون الوجاهة للعصبية و حيث تتمثل في أسر عريقة أو غنية أو قوية ترى أو يرى لها البعض انها أحق لهذا الدور لما لها من وضع ومكانة خاصة. ثم لا يهم رأي المجتمع في ذلك .. لا يهم غير أن يكون هناك قبول من الاخر لما يقرر او يراد له. وبالمسجد أو الحسينية فإن خطابنا الديني غالبا ما يلجأ إلى التطرف او لغة الرأي الواحد وتسفيه الآخر ومنطق الفرقة الوحيدة التي تلغي غيرها من الفرق المخالفة (في مبدأ أو مذهب أو مدرسة فكرية وثقافية ) وقد تلقي بها فى النار . اننا أناساً أصبحت الغلظة والفظاظة والتجهم والتشدد سمة من سمات التدين عندنا، وأصبح حتى الاختلاف على بعض المسائل الجزئية الاجتهادية سبباً للقطيعة والعداء. ويبالغ البعض في التعصب لآرائهم حول بعض المسائل والأشخاص والجهات، ويعتبرون القول بهذا الرأي هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، أو يعتقدون أن الولاء لهذا الشخص أو لهذه الجهة هو مقياس الحق والباطل، ويعادون الناس ويناوؤنهم على هذا الأساس.
هذه الصور المتنوعة قد تختلف في الشكل عن نفي الاخر فالفرق بين هذا وذاك هو في المسميات .. وفي طريقة اللبس .. اما الثقافة فهي هي ذاتها. تشنج .. وانغلاق .. ونفي للاخر.. وسب ولعن .. وانانية .. واعتداء .. وانتحار جماعي .. وسيارات مفخخة، واشلاء متناثرة .. وفي كل الحالات يكون الانسان هو الضحية بالحروب وعدم وجود فرص العمل والفقر والأمية والحرمان والتشرذم والنزاعات الداخلية.
نحن بحاجة الى ثقافة جديدة، تخرجنا من الدوائر الضيقة التي وجدنا انفسنا محبوسين داخلها. ثقافة تقوم على حقيقة (أن الآخر هو أنا) وأن السبيل الوحيد لمعالجة هذه المشكلة هو معرفتنا بالآخرين واحترامهم ووقف الانتهاك واستخدام العنف، وفتح ابواب التعايش وقبول الاخر والتحرك وفق معايير اكثر انسانية وعمومية للحياة.