الجمعة 23 مارس 2007
محمد الصياد
رغم المد الحضاري الكاسح الذي اجتاح العالم ولا يزال خصوصا في العقود السبعة او الثمانية الأخيرة، والذي أسهمت فيه بصورة حاسمة الثورات العلمية والتكنولوجية المتلاحقة، التي ترافقت مع تحولات وثورات ثقافية بالغة الأثر، طالت البنى الفكرية والثقافية التقليدية في مجتمعات المركز الرأسمالي المتقدم ومجتمعات الأطراف (دول العالم الثالث) على حد سواء، ورغم قوة وسطوة تلك التحولات وأدوات نشرها وانتشارها عبر أرجاء المعمورة قاطبة، إلا أنها لم تنل أبداً من المكانة المميزة للدين وطقوس ممارسته في حياة المجتمعات على اختلاف اديانها ومللها فقد حافظت أماكن العبادة على مهابتها وقدسيتها لدى مختلف شرائح المجتمع، وكانت المناسبات الدينية وطقوسها تمارس بعفوية ونقاء من دون غلو أو تكلف.
وعلى حين غرة، ولكن ليس من دون مقدمات، انفجر طوفان التزمت والتشدد الديني سواء لجهة الفعل أو رد الفعل، ليطال معظم الديانات وتفريعاتها المذهبية. فقد شهدت المذاهب الاسلامية المختلفة، تحولات في هذا الاتجاه على صعيدي الفعل ورد الفعل ليتحول الأمر الى ما يشبه التنافس على إثبات علو الكعب في ldquo;الالتزامrdquo; الديني. وكان أن أصابت عدوى التشدد بعض الديانات الاخرى مثل الهندوسية والسيخية واليهودية وبعض مذاهب المسيحية وغيرها.
وتلفت النظر في هذا المضمار نزعات التطرف الديني التي انتعشت وازدهرت في عدد من الولايات المتحدة الامريكية على خلفية صعود التيارات السياسية الاصولية منذ العهد الريحاني في اوائل ثمانينات القرن الماضي. وهناك الكثير من الجماعات الدينية التي بلغ بها الغلو حد الانفصال عن الكنيسة الأم وانتهاج خطها الديني العصابي المتطرف الذي يقطع مع الحياة المعاصرة ويتناغم مع نزعات الفلسفات الايديولوجية اليمينية المتطرفة ويتكامل معها.
هناك على حدود ولاية يوتاه ترقد مدينة كولورادو (Colorado City)، وهي مدينة صغيرة بولاية اريزونا، تقيم جماعة دينية أصولية تنتمي الى ما يسمى بكنيسة القديسين الاصولية العصرية ليسوع المسيح Church fo Jesus Christ fo Latter Day Saints-FLDS، وهي جماعة متمردة ومنشقة عن طائفة المورمونيين (Mormons) الدينية الأمريكية التي كان أنشأها جوزيف سميث عام 1830 وكانت تبيح تعدد الزوجات قبل أن تحظره فيما بعد.
ويبدو أن هذا الحظر هو الذي دفع جماعة القديسين الأصولية (FLDS) الى التمرد على طائفة المورمونيين ومواصلة العمل بطقوسها الانعزالية وإباحة تعدد الزوجات. ويبلغ تعداد أتباع هذا المذهب المسيحي الاصولي اليوم عشرة آلاف عضو، وهم يسيطرون على مدينة كولورادو الصغيرة ومدينة هيلديل (Hildale) المجاورة لها، وهم يزعمون أنهم شعب الله المختار وأن زعيمهم وارن جيفس (Warren Jeffs) هو نبيهم.
والحال أن هذا الرجل (وارن جيفس) استطاع بدهائه وهرطقاته أن يسيطر على سكان تلك المنطقة، من خلال ldquo;منحهمrdquo; حق تعدد الزوجات، وتوفير أموال الرعاية لهم من عمليات الاستيلاء غير المشروعة على أراضي الولاية وأراضي أفراد المجموعة الذين يصنفهم على أنهم من ldquo;الخوارجrdquo; على طاعة وتعاليم ولي أمر الجماعة. وهو ما يجد تفسيره في الدعاوى المرفوعة ضده من قبل بعض شباب تلك المنطقة الذين يتهمونه بالاعتداء عليهم وتعذيبهم وإلقائهم خارج أسوار الغيتو الأصولي المسيحي، إضافة إلى تهم الاستيلاء على أموال صناديق المدارس.
وعلى خلفية هذه الملاحقات الجنائية تمكّن وارن جيفس من الفرار إلى جهة غير معلومة يقال انها إما ولاية تكساس أو المكسيك.
فهل يعد هذا التمظهر للغلو الديني استثناء في الحياة الامريكية؟ ربما، ولكنه ليس الاستثناء الوحيد بالتأكيد، فتعيين الرئيس بوش جون روبرتس رئيساً للمحكمة العليا خلفا لساندرا دي اوكونور، وهو المعروف بأصوليته وإقحامه القسري للدين في الحياة المعيشية، يندرج في إطار سياسة تديين المجتمع التي اختطتها إدارة بوش المعروفة بمحافظتها الشديدة وغلوها، إذ يبدو ان هذا التعيين المشبوه يرمي الى إعادة فرض أداء الصلاة في المدارس وفي مراسم حفلات التخرج ومباريات كرة القدم في المدارس.
والمتوقع أيضا ان يقوم هذا الرجل، بموجب المهمة الموكلة اليه، بإعادة ربط الدين بالدراسة وبالدولة بما يشمل ذلك السماح للجماعات الدينية بمزاولة أنشطتها على أساس ديني، وحظر عمليات الإجهاض. حتى إذا ما حدث ذلك وأعيد تدريس الدين في المدارس على حساب العلوم الطبيعية فإن الولايات المتحدة في عهد الرئيس بوش تكون قد وضعت رجليها على طريق الثيوقراطية على حد تعبير روبرت بوستن المتحدث باسم منظمة اتحاد الامريكيين من أجل فصل الكنيسة عن الدولة غير الحكومية.
وما هذا سوى مثال واحد على أن قصة غيتو وارن جيفس ليست الاستثناء الوحيد في الولايات المتحدة، لا بل في كثير من دول العالم التي اصيبت بلوثة الغلو والتشدد الديني على أيدي جماعات جاهلة تلبستها الدوغما فراحت تلقي بفتاويها ذات اليمين وذات الشمال قبل أن تصدر أوامرها للدهماء بتنفيذ تلك الفتاوى ووضع الأديان السماوية السمحاء وعلمائها الأجلاء في حرج عظيم، ولكن ليس أعظم من وضع المجتمعات والعالم بأسره على كف عفريت.













التعليقات