علي سعد الموسى

تحول، وجاهة لثرائه الفاحش ورغبة في امتطاء موجة الشعبوية إلى واعظ بدرجة امتياز. يحذر صاحبنا من فتنة عمل النساء رافعاً عقيرة صوته حتى لتخاله في زهد أبي ذر وبلسان الأوزاعي وورع ابن تيمية. لست مع الأنثى أن تعمل أو تستكين فلا ناقة لي في الموضوع ولا بعير. كل ما يهمني أن أفضح تيارات النفاق: صاحبنا صيفه في باريس وشتاؤه في الكناري. صاحبنا يستطيع ويفعل. يسافر إلى أطراف الدنيا على متن أسطول خاص، تهبط، ربما، عجلات طائرته في مطار، وربما في ذات اللحظة التي تقلع الأخرى بعائلته، بل ببعضهم، منفردين على الأرائك الوثيرة في طائرة تستطيع أن تحلق بهم في المساء، من أجل ساعة إضافية يستكملون فيها وجبة الكافيار الإيراني المدخن.

صاحبنا يستطيع أن يتبادل مع عائلته عواصم أوروبا وفنادق نجومها الخمسة وقد يتقابل صدفة مع - إحداهن - في أشهر دار للموضة. نساؤه يشترين - بالجملة - من سوزي وبيار كارادن وسان لوران ثم يتحدث عن فتنة عمل النساء متناسياً آلاف الأرامل والثكالى ناسياً أن زجاجة العطر في حقيبة الزوجة كافية لإطعام عشرين عائلة، وربما أن الحقيبة بما حوت قد تطعم المئة. صاحبنا يكتب عن فتنة عمل النساء ناسياً أن آلاف الأفواه الجائعة من الثكالى والأرامل يذهبن في البكور قبل الفطور إلى حرارة الحياة وشظف العيش متناسياً أن نساءه يذهبن للسرير مع البكور قبل الفطور: لا فارق لديهن بين السبات والمعاش.

صاحبنا يكتب عن فتنة عمل النساء متجاهلاً كم في بيته وراء كل امرأة في بطاقته من الحواشي والوصائف والخدم: واحدة للملابس وأخرى للمكياج وثالثة للإتيكيت ورابعة لصباح الطفل الواحد، وخامسة لما بعد الظهر وسادسة للمساء. صاحبنا يكتب عن فتنة عمل النساء وفي مقابل كل امرأة في بطاقته عشر إقامات ولكل سيدة طابور سيارات ودستة وصيفات: صاحبنا يشحن بطاقة أحواله كاملة في طائرة من أجل حفل زواج وقد تطير أخرى إلى عاصمة أخرى من أجل فستان زواج. صاحبنا يكتب ويكتب على طاولة ذهبية تصطك حواليها الأطايب من أيدي - اللهائب - وصاحبنا يكتب عن فتنة عمل النساء. تقرؤه فاطمة، وجه البؤس القديم، تلك التي تنام تحت بطانية واحدة تكسو خمسة أطفال وتشحذ كل من حولها، أجيرة تكنس منزلا.