عبدالله اسكندر
توجه إيران، باحتجازها الجنود البريطانيين الـ15 في مياه الخليج، رسائل عدة. نحو الداخل ونحو المحيط ونحو العالم. ولا يهم كثيراً، في حسابات طهران، ان يكون هؤلاء البريطانيون احتُجزوا في المياه الاقليمية الايرانية او العراقية. فالحرب مستعرة بين الجانبين في البصرة وعلى مقاعد مجلس الامن. والاتهامات متبادلة بدعم الارهاب في العراق او في ايران. وكل الضربات تصبح laquo;مشروعةraquo; في إطار هذه الحرب.
شكل الاحتجاز، بعد إقامة الجمهورية الاسلامية، وسيلة أساسية في الديبلوماسية الايرانية. لا بل كان الوسيلة الأولى والأكثر أهمية التي استخدمتها طهران باحتلال مبنى السفارة الاميركية واحتجاز موظفيها. وكان الوسيلة التي منها دخلت الى الساحة اللبنانية في ثمانينات القرن الماضي. وفي كل الاحوال، تعتمد هذه الديبلوماسية على فكرة بسيطة هي ان الغربي المُحتجز سيجبر بلاده على التفاوض من اجل الحفاظ على حياة الرهينة. وفي الوقت نفسه، القول للجمهور الايراني المتحمس في التظاهرات ان جواسيس الغرب هم الذين يخربون في ايران. ويصبح كل صوت معارض للسلطات مرتبطا بهؤلاء الجواسيس. وبديبلوماسية الاحتجاز استطاع الخميني ان يصفي خصومه الداخليين قبل ان يجمع الأمة الايرانية وراءه لمواجهة الحرب مع العراق.
والرسالة الى الداخل الايراني هي نفسها. الغرب يعتدي على ايران ويتآمر عليها. والدليل دخول البريطانيين الى المياه الايرانية، بعدما عمل هذا الغرب على تسعير النزاعات الاثنية والطائفية والمناطقية، كما قال خامنئي قبل ايام. لكن laquo;الحرس الثوريraquo; الذي يظهر قوة أكثر فأكثر من خلال مناوراته في الخليج، يرصد هؤلاء الجواسيس. وقادر على وضع حد لمؤامراتهم، والتصدي لأي هجوم محتمل يمكن ان تقوم به القوات الغربية المنتشرة في المنطقة.
انها رسالة رد وتطمين الى الداخل. رد على الذين راحوا يرفعون الصوت أخيراً، محذرين من ان السياسة الايرانية المتشددة ستقود البلاد الى مواجهة غير محسوبة مع الغرب. وتطمين الايرانيين الى ان المواجهة محسوبة، وستنتصر فيها ايران.
الى المحيط المجاور، تقول طهران من جهة ان القوات البريطانية والاميركية في العراق باتت تشكل تهديداً لها بتجاوزها الدور الذي تقوم به في هذا البلد والذي تعترض عليه اصلاً وتطالب بإنهائه. ومن جهة اخرى، ان أمن الخليج بات جزءاً من امنها الاقليمي. ولأنها هي المهددة، في حين ان الدول الاخرى متحالفة مع الغرب، ترى ان من حقها ضبط الامن في الخليج، بغض النظر عن مواقف الجوار. وهو ما يبرر لها سلسلة المناورات البحرية والصاروخية والبرية. ولا تتوجه هذه المناورات في النهاية الى صد هجوم مباشر عليها بمقدار ما تتوجه الى إظهار القدرة على إلحاق الخسائر في المحيط المجاور والمتوسط البعد.
سعت ايران في الاسابيع الاخيرة الى حملة علاقات عامة في المنطقة، عبر إظهار الاستعداد للتسويات. وبدا ان الحملة تهدف الى تطمين الجوار بالنسبة الى ملفها النووي وتوجهاتها السلمية من اجل كسب تأييد في معركتها في مجلس الامن. لكنها في الوقت نفسه ثبتت حقها في التدخل في شؤون عربية. والآن تحاول ربط هذا laquo;الحقraquo; بمعركتها مع الغرب. مع كل ما قد يستتبع ذلك من توتر وتهديد، لأن التدخل الايراني الأكثر فعالية هو ذلك الذي يستهدف الأوضاع الداخلية.
وفي موازاة تشديد العقوبات الدولية على طهران لرفضها التفاوض على برنامجها النووي، ينتقل التهديد الايراني بالرد على الغرب الى درجة أعلى، خصوصاً ان بعض هذه العقوبات يقع تحت الفصل السابع الملزم. ويستهدف هذا الرد بالدرجة الاولى الموضع السهل، أي المصالح الغربية في الخليج اولاً.
وقد تضاف، الى كل هذه الرسائل، أخرى تتعلق بحرب الجواسيس بين ايران والغرب. ولعل في مقدمها الرد على خطف المسؤول الامني الايراني الجنرال أصغري او لجوئه الى الغرب. ومع المعلومات عن دور بريطاني أساسي في laquo;الانتصار الغربي الكبيرraquo;، لا يستبعد ان يتحول الجنود البريطانيون الـ15، خصوصاً بعد نقلهم الى طهران، مادة اساسية في المفاوضات لاسترداد أصغري.













التعليقات