الثلاثاء 27 مارس 2007

سعد محيو


ماذا كان سيحدث لو كان الاتحاد السوفييتي ldquo;حياً يرزقrdquo; الآن؟
السؤال له مبرر قوي: لو كان ثمة لقوة عظمى الآن في الساحة الدولية، لحصدت أرباحاً صافية كبرى من الخسائر الاستراتيجية الأمريكية الصافية في العراق وأفغانستان وبقية أنحاء الشرق الاوسط الكبير.

لكن أمريكا محظوظة. فالاتحاد السوفييتي أسلم الروح ولن يعيد إنتاج نفسه قبل عقدين أو ثلاثة على الأرجح. والاتحاد الأوروبي لا يزال عملاقاً اقتصادياً بأقدام قزم صغير. والصين والهند غير مهتمين بrdquo;الجيوبوليتيكياrdquo; هذه الأيام. وهذا ما يترك الولايات حرة لأن تخطئ من دون دفع أثمان فادحة.

لكن إلى متى؟

زبغنيو بريجنسكي قلق من أن تكون ldquo;فترة السماحrdquo; هذه قصيرة، فتتكتل في وجه بلاده أحلاف كبرى ما في قارة أوراسيا تنجح في النهاية في تحدي الزعامة الأمريكية، وربما أيضاً في إزاحتها عن عرش العالم. لكنه لا يزال متفائلاً بقدرتها على تجنب المصير نفسه الذي تعرضت له كل الامبراطوريات السابقة في التاريخ بسبب تمددها الإستراتيجي الزائد، بشرط ان تعود إلى ldquo;جادة العقل والعقلانيةrdquo;.

نقطة البداية بالنسبة له هي الاعتراف بأن الأمن القومي الأمريكي لا يمكن أن يكون منفصلا عن الأمن العالمي، وبأنه يتعين عليها أن تتولى الزعامة الدولية على نحو بناء يقوم على التعاون الخلاق مع سائر مراكز القرار الدولي. بريجنسكي يسعى إلى وضع حد فاصل بين السيطرة الأمريكية على العالم وبين الزعامة الحقيقية التي تقوم على تعاون دولي مشترك، عماده استيعاب الآخر والتسامح معه ونبذ الاعتباطية في اتخاذ القرارات، وذلك لضمان الأمن القومي الأمريكي على نحو استراتيجي. وهو يدعو واشنطن إلى البدء فوراً بنسج شبكة من التحالفات لاحلال الاستقرار في منطقة البلقان، والامتناع عن اقحام الأمريكيين في ما يسمى صراع الحضارات، والحفاظ على توازن دقيق ودائم في منطقة الشرق الأقصى. كما ينصح الأمريكيين والأوروبيين بالارتقاء بتحالفاتهم عبر الأطلسي، وملاءمة الزعامة الأمريكية مع عالم تسوده الاضطرابات بكل أنواعها.

وينتقد بريجنسكي ldquo;الايديولوجيا الامبرياليةrdquo;، على حد تعبيره، التي دفعت بلاده إلى غزو العراق وأفغانستان، ومشاريع سياسية أخرى لم تفتح ملفاتها بعد، مؤكداً أنّ من يقف وراء هذه النظرية يحاول أن يجري جراحة قيصرية في جسد التاريخ الأمريكي. ويسأل: هل تريد أمريكا أن تبقى تلك المدينة المعزولة على رأس جبل، وهل يبقى الأمريكيون صامتين كالبلهاء بينما تتحول بلادهم إلى جغرافيا منعزلة عن العالم؟ لا يرى بريجنسكي خياراً آخر سوى ذلك لإنقاذ أمريكا من نفسها ومن العالم، ولانقاذ هذا الأخير من أولئك الذين يزعمون أنّ للولايات المتحدة حقاً في أن تهيمن على الآخرين، وإلا فستتخلف عن الدور الدولي الذي أناطه القدر بها.

إنه لا يمانع أن تتولى الولايات المتحدة مهمة شرطي العالم، لكن شريطة أن تكون عادلة ومنصفة بعيداً عن منطق المافيا الدولية والتهديد باستخدام القوة حتى في الأحوال التي لا تقتضي ذلك. ولذلك فهي وحدها المهيأة للقيام بأدوار أمنية يعجز عنها الآخرون، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول التي أثبتت أن أيّ تصرف أحادي الجانب من قبل واشنطن سيرتد عليها سلباً.

***

هكذا تكلم بريجنسكي. لكن، هل سيكون ثمة مجيب في مراكز القرار في واشنطن؟

كلا على الأرجح، حتى لو احتل رئيس ديمقراطي متنور البيت الأبيض العام 2008. فحين لا تجد قوة عظمى قوة أخرى في وجهها توازنها وتعقلنها، تميل إلى التهور والصلف وتدمن ارتكاب الأخطاء. حدث هذا مع كل الامبراطوريات الكبرى السابقة في التاريخ، وليس هناك مبرر لأن تكون الولايات المتحدة استثناء.

بريجنسكي وباقي سرب العقلانيين الأمريكيين يعرفون ذلك. ولذا، ربما هم يتمنون في أعماقهم الآن ان يكون الاتحاد السوفييتي حياً. بل حياً ويركل أيضاً. والأرجح انهم على حق.