الأربعاء 28 مارس 2007

د. محمد السيد سعيد

قد تصبح قمة الرياض النموذج الذي يلخص التجربة الطويلة للقمم العربية منذ بدايتها عام 1946. مزايا القمة كمؤسسة لصنع القرار في النظام العربي معروفة. فحيث أن بنية الدولة العربية لم تتطور كثيراً، إذ يقوم على صنع القرار شخص واحد أو عدد محدود للغاية من الأشخاص، فإن القمة تصبح ضرورة لا غنى عنها للتوصل إلى قرارات مصيرية. وبالمقابل تعاني فكرة القمة من مشكلات ومثالب كثيرة. إذ لا يبدو ثمة رابط بين اتخاذ القرار على مستوى الرؤساء والملوك في قممهم من ناحية، والتطبيق التشريعي والإداري داخل منظومة الدول العربية من ناحية أخرى. ومن ثم تنشأ فجوة كبيرة في التطبيق بل وقد لا يتم تطبيق قرارات القمة على الإطلاق.
ومن المدهش أنه رغم التجربة الطويلة لمؤسسة القمة فإنها لم تتطور كثيراً عما بدأت به. ففضلاً عن افتقارها لآليات تطبيق وتنفيذ مناسبة، فإنها تفتقر للائحة ولنظام عمل داخلي يتجاوز الأطر البروتوكولية. وكانت الفكرة من وراء عقد مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية للإعداد للقمة أن يتم التوافق على مشروعات القرارات بصورة كافية حتى لا تتفجر القمة من الداخل بسبب خلافات جوهرية. ولكن هذه الفكرة لم تعمل دائماً بالصورة المطلوبة ووقعت خلافات جوهرية أدت إلى انفضاض القمة دون أن تصل إلى نتائج ووسط ذهول الرأي العام العربي وصدمة المراقبين العرب والأجانب.
وبوجه عام فإن حسن الإعداد للقمة كان أمراً حاسماً في وصول القمم العربية إلى نتائج إيجابية وبناءة من الناحية النظرية. وتبين أن اجتماعات مجلس الجامعة أو مجلس وزراء الخارجية لم تكن دائماً وربما لم تكن أبداً الإطار السليم للإعداد السياسي لقمم ناجحة. وبالنسبة للقضايا الخلافية والمصيرية كان من اللازم دائماً اللجوء لدبلوماسية نشطة ومتحركة حتى يمكن التوصل إلى حلول وسط ناجعة أو قرارات تحظى بالإجماع قبل أن تبدأ القمة بوقت كاف. وفي الحالات التي لم تبادر دول عربية رئيسية بإنتهاج دبلوماسية نشطة لحل الخلافات الكبيرة قبل القمة بوقت كاف، لم يتحقق أي نجاح في إصدار قرارات ناجعة من القمة. واكتفى القادة العرب إما بقرارات عامة وشكلية أو غير ذات مضمون إجرائي محدد.
والواضح أن قمة الرياض لم يتحقق فيها هذا الشرط. ولذلك تبدو احتمالات نجاحها محدودة للغاية فيما يتعلق ببعض أهم القضايا المصيرية وخاصة الأزمات المشتعلة في داخل وفيما بين عدد من الدول العربية.
تستند فرص النجاح الى عدد محدود للغاية من العوامل.
أهم هذه العوامل على الإطلاق هو الوزن المتعاظم للمملكة العربية السعودية في السياسة العربية وتخليها التدريجي عن مدرستها الدبلوماسية المحافظة وانتهاجها لمدرسة دبلوماسية أكثر ديناميكية. وبفضل هذا العامل أمكن للسعودية تحقيق اختراق في الشأن الفلسطيني بعقد قمة مكة المكرمة بين الفصيلين الكبيرين والمتنازعين في الأرض المحتلة؛ quot;فتحquot; وquot;حماسquot;.
ومن هذه العوامل كذلك شدة الأزمات وصعوبة أو استحالة استمرارها على نفس المستوى الراهن من الاشتعال لفترة طويلة إضافية. وفي حالة فشل القمة العربية في التوصل إلى quot;حلولquot; حقيقية وناجعة لأكثر هذه الأزمات، فإن القمة تكون قد تركت الأمور بيد النظام الدولي وبيد الأميركيين بالذات مما يعني أن قرارات غير مقبولة وغير متوازنة ستفرض على العرب أو على دول عربية بعينها. ويضغط هذا العامل بشدة على صناع القرار العرب من أجل التوصل إلى حلول توافقية من داخل النظام العربي، وهو الاختيار الأفضل مقارنة بالمدخل الدولي أو الأميركي. ومن الواضح أن الولايات المتحدة قد استبقت قمة الرياض بإيضاح مواقف ومطالب محددة فيما يتعلق بعدد من القضايا الإقليمية والأزمات السياسية العربية. ولا نعرف بالضبط ماذا تم في اللقاءات التي دارت بين كوندوليزا رايس والحكومات العربية الأربع التي اجتمعت بممثليها في أسوان يوم السبت الماضي. لكننا نعرف وجهات النظر والمواقف التقليدية والمستجدة لإدارة بوش فيما يتعلق بالقضايا والأزمات السياسية التي تنظرها قمة الرياض. كما لا نعرف نتيجة المشاورات التي أجراها مسؤولون سعوديون كبار في الولايات المتحدة وبعضها يتعلق بالأزمات والقضايا المثارة في القمة.
ومثّل التدخل الأميركي تقليدياً سبباً مؤكداً لفشل القمم العربية، وخاصة مع تولي بوش الابن للرئاسة الأميركية. ومن المرجح أن يكون كذلك بالنسبة لقمة الرياض. فإدارة بوش تخاطب طرفاً واحدا في الساحة العربية والشرق أوسطية وتخاصم أو تعادي الطرف أو الأطراف الأخرى. وربما تكون هذه الإدارة قد أدركت مؤخراً الحاجة لمخاطبة الطرف أو الأطراف المقابلة، ولو بصورة غير مباشرة وعبر الحكومات العربية الحليفة. لكننا لم نر تطورات إيجابية جادة أو مبشرة في هذا الاتجاه. فهي لا زالت تقاطع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتدافع عن استمرار الحصار الاقتصادي والمالي الخانق للشعب الفلسطيني. وهي تتجاهل سوريا بصورة تامة تقريباً حتى الآن.
ومعنى ذلك أنه بالقدر الذي يتحتم فيه أن تتخذ القمة قرارات سريعة لحل الأزمات العربية بمقاربات عربية، فإن الأميركيين يشكلون قيداً مهماً على هذا المقاربة. ومن هذا المنظور فإن علامات فشل القمة أكثر من علامات نجاحها حتى الآن. فلم نر توجهاً للتفاوض مع سوريا حول العلاقات السورية- اللبنانية، وحول موقف سوريا من الأزمة السياسية الداخلية في لبنان. وكذلك لم نشهد مفاوضات مسبقة مع الحكومة السودانية حول الأزمة السودانية الدولية والمتعلقة بالمحاكمة الدولية للمسؤولين المتورطين في جرائم ضد الإنسانية وطبيعة القوة العسكرية التي تتولى مسؤولية حفظ السلام والأمن في دارفور. وحتى فيما يتعلق بالموقف من الملف النووي الإيراني لم نشهد تنسيقاً حقيقياً في المواقف بين مختلف الأطراف العربية. ولم تمتد أبداً أية مشاورات حول شؤون عربية عامة إلى دول المغرب العربي التي صارت معزولة عن شؤون وهموم المشرق من الناحية السياسية.
وبينما يسهل التوصل إلى قرار إجماعي فيما يتعلق بإعادة إطلاق أو التأكيد على المبادرة العربية بخصوص تسوية الصراع العربي- الإسرائيلي، فإن الجميع يدرك أن صناعة القرار فيما يتعلق بهذه المسألة يبقى بيد عدد محدود للغاية من الدول العربية إضافة إلى الفلسطينيين، وهو ما قد يشعل النزاع لاحقاً حول هذه المسألة. أما فيما يتعلق بإيران وملفها النووي، فإن مجلس التعاون الخليجي هو المنبر المؤهل لاتخاذ قرارات أو سياسات تتمتع بالمصداقية والجدية. ومن ثم فإن القمة يمكن أن تفلت من الخلافات حول العلاقات العربية الإيرانية، بأن تتخذ قرارات شكلية وعامة للغاية. وهذا ما قد تفعله القمة لتجنب تفجر الخلافات حول العراق.
لكن بالمقابل لا يمكن الإفلات من اتخاذ موقف محدد من الأزمة اللبنانية الداخلية ومن العلاقات السورية اللبنانية. وهنا تبدو احتمالات الفشل شبه مؤكدة لأسباب واضحة. فلم نر، كما أشرنا، أية مشاورات أو مفاوضات جادة حول هذا الملف الشائك. ولم تتخل السعودية عن دبلوماسيتها المتحفظة ولم تنتهج دبلوماسية ديناميكية لحل الخلافات مع سوريا منذ زمن. كما توقفت مصر عن دورها في التفاوض من أجل حلول وسط مع سوريا حول القضايا الاستراتيجية الجوهرية بالنسبة للأمن السوري والإقليمي، وهو دور تولته باقتدار في عدد من الأزمات حتى سنوات قليلة خلت.
وإضافة لذلك كله، فحتى لو أفلتت القمة من الاصطدام بصخرة الأزمة اللبنانية والسورية اللبنانية ونجحت في التوصل إلى قرارات ما، فإن معنى النجاح والفشل يبقى موضوعاً للنزاع. إذ يستحيل أن نقبل بمعنى للنجاح يكتفي بالتعامل مع لحظة الاشتعال في الأزمات بإصدار قرارات توافقية ولكنها لا تؤسس استراتيجية عربية عامة ولا تنهي الصدع والانقسام الرئيسي على مستوى الاستراتيجيات بين طائفتين رئيستين من القوى والدول العربية: تلك المعادية للمشروع الأميركي وتلك الحليفة للولايات المتحدة. ويبدو أن هذا الصدع أو هذا الانقسام سوف يستمر في إشعال الأزمات وتوليد مزيد منها حتى يتم بناء توافق فعال عبر حوار استراتيجي عربي عربي وعربي إيراني يؤسس لمقاربة إقليمية جادة حول قضايا المنطقة... مقاربة مستقلة عن إدارة بوش وقادرة في الوقت نفسه على بناء نظام أمن إقليمي مقتدر.