جنييف عبدو - الواشنطن بوست

تجمعت مجموعة صغيرة ممن يدعون أنفسهم بالمسلمين العلمانيين من اميركا الشمالية وغيرها في سانت بطرسبيرغ مؤخراً في اطار ما اسموه حركة عالمية جديدة بهدف تصحيح أخطاء الإسلام المفترضة والدعوة الى اصلاح اسلامي.

وعلى الأثر، رفض قادة مسلمون، عبر الولاية وفي فورت لادورديل من مجلس العلاقات الاميركية الاسلامية، وهو مجموعة الدفاع عن الاسلام التي تتخذ من واشنطن مقرا لها، والتي يصف المسلمون quot;العلمانيونquot; أعضاءها بأنهم راديكاليون، أي فكرة للاصلاح بوصفها محاولة أخرى من جانب الغرب لفرض تاريخه وفلسفته على العالم الاسلامي.

يمثل العلمانيون، كما اطلقوا على أنفسهم، أقلية صغيرة فقط من المسلمين. لكن وجهات نظر المسلمين المتدينين من مجلس العلاقات الاميركية الاسلامية تعكس رأي الاغلبية، ليس فقط في الولايات المتحدة، وإنما في جميع ارجاء العالم ايضا. ومع ذلك، يظل الاعلام والحكومات في الغرب، شأنهم شأن المنتقدين من المحافظين الجدد، يعيرون اهتماما أكبر للأقلية العلمانية. ويقف تجمع سانت بطرسبيرغ ليشكل مثالا على ذلك، فقد تم نقل وقائع التجمع في بث حي على الهواء في برنامج quot;غلين بكquot; المحافظ في شبكة التلفزة الاميركية (سي. ان. ان). كما أن بعض منظمي التجمع والمتحدثين فيه معروفون على نطاق واسع بسبب تسليط الاضواء الاعلامية عليهم، فقد كان ارشاد منجي مؤلف كتاب quot;المشكلة مع الاسلامquot; وايان حيرسي علي النائبة، الهولندية السابقة وواضعة كتاب quot;الملحدةquot; من بين الذين شاركوا في التجمع، وكانا بين قلة هناك ممن ادعوا انهم عانوا شخصيا على ايدي الاسلام quot;الراديكاليquot;. والى ذلك صرحت إحدى المشاركات، وتدعى وفاء سلطان، لبرنامج غلين بك بأنها quot;لا ترى أي فرق بين الاسلام الراديكالي والاسلام العاديquot;.

يجري الترويج لأجندة المسلمين العلمانيين هؤلاء لأن أفكارهم تعكس رؤية غربية لمستقبل الاسلام. ومنذ هجمات الحادي عشر من ايلول-سبتمبر، يبدو الجميع، بدءا من المسؤولين الكبار في ادارة الرئيس بوش وانتهاء بالمؤلف سلمان رشدي واضع كتاب quot;آيات شيطانيةquot;، وهم منشغلون بوضع وصفات علاج شافية للإسلام، مثل إصلاح الدين بحيث يصطبغ بقيم الغرب -أي خصخصة الدين، تنمية الديمقراطية على النمط الغربي - ودعم الحكام المسلمين العلمانيين، لا المتدينين. والمشكلة في هذه الوصفات هي انها تظل منفصلة عن الواقع. وهي قائمة على مبدأ يقول بأن المسلمين إذا ما تمت تغذيتهم بوجبات محسوبة ثابتة من التأثير الغربي، فإنهم هم أيضاً سوف يعتنقون الحداثة والعلمانية وكل شيء آخر يقدمه لهم الغرب.

في ضوء الوضع الراهن، لكن أن تتأمل في الوقائع: فقد انتشر انبعاث الاسلام عبر الكوكب في السنوات الثلاثين الماضية من الشرق الاوسط الى أجزاء من افريقيا. وفي مصر، اصبح من الصعب العثور على امرأة تسير في الشارع بدون غطاء رأس. كما أن الجماعات والحركات الاسلامية السياسية آخذة في الازدياد -من حزب الله في لبنان الى حماس في قطاع غزة والضفة الغربية الى الاخوان المسلمين في مصر. وحتى في الولايات المتحدة، يذهب المزيد والمزيد من المسلمين الاميركيين، وخاصة الشباب، إلى اعتناق الرمزية الدينية بطرقلم يكن عليها آباؤهم المهاجرون الذين كانوا أكثر علمانية منهم.

لقد سافرت الى فلوريدا لأكون المتحدثة الرئيسية في مؤتمر سنوي لمجلس العلاقات الاسلامية الاميركية. وفي الطريق الى المؤتمر تحدثت مع الامام سراج وهاج، وهو مفكر ذو شخصية كارزمية من مسجد التقوى في بروكلين، له آلاف الاتباع في اميركا وفي الخارج. وقد لخصت عباراته تطلعات الاغلبية المسلمة في الولايات المتحدة وفي ارجاء المعمورة، حيث قال quot;إن ما نحتاج إليه هو استعارة تلك المزايا التي نعجب بها في الغرب ونبذ ما لا نحب. تلك هي توجهات المستقبلquot;.

ثمة بالفعل امارات تؤيد كلمات الامام الوهاج، اذ يبحث المسلمون الذين يعيشون في الغرب واولئك الموجودون في العالم الاسلامي عن هذه الارضية الوسطية -واحدة يمكنها أن تجمع وقائع العولمة مع التعاليم الاسلامية. فعلى سبيل المثال، تتمتع النساء المسلمات حاليا بمدخل أوسع بكثير إلى التعليم العالي قياسا مع ما كان عليه الحال في السابق. وهناك في ايران عدد من النساء في الجامعات اكثر من الرجال، وهو وضع جديد لم يسبق وأن حدث في تاريخ البلاد. ولكن، ونظرا لان اعدادا متزايدة من النساء المسلمات يصبحن اكثر تعليما، فإن الاغلبيات تصبح اكثر تدينا في الوقت الذي تشارك فيه فيما يوصف بانه حركات انثوية اسلامية تمتد من مصر الى تركيا والمغرب.

لقد عثرت هؤلاء النساء اللواتي غالبا ما يرتدين أغطية الرؤوس للتعبير عن تدينهن هذه المنطقة الرمادية بين الحداثة والتقليد، وهن يناضلن من اجل تحصيل المزيد من الحقوق للمشاركة في السياسات وفي تحقيق مساواة اكبر في قوانين quot;الاحوال الشخصيةquot;، مثل حق حضانة الاطفال او ان تكون عصمتهن بايديهن- لكنهن ايضا يعتبرن الاسلام بوصلتهن الأخلاقية.

على نحو مشابه، يبدو المستقبل السياسي للعالم العربي أكثر ترجيحاً لأن يتكون من احزاب اسلامية، والتي ستكون أقل تسامحا بكثير مما كانت عليه تاريخياً الاجندة السياسة الخارجية الاميركية في المنطقة، والتي ستكون، على المستوى المحلي، أكثر التزاما بتنفيذ احكام الشريعة بدرجات متفاوتة.

أما في اوروبا والولايات المتحدة حيث يتعرض المسلمون أكثر ما يكون للثقافة الغربية، فإنك تراهم يعتنقون القيم الاسلامية بشكل مطرد. فهناك في بريطانيا مثلا، عدداً متزايداً من المسلمين الذين يناضلون من اجل ايجاد نظام قضائي يستند الى المبادئ الاسلامية.

ان ما يعنيه كل ذلك هو ان الآمال الغربية إلى دمج المسلمين الكامل في الغرب لن تتحقق على الارجح، وان مستقبل العالم الاسلامي سيكون ذا صبغة اسلامية اكثر منها غربية.

لذلك كله، وبدلاً من تمجيدها للاصوات العالية للاقلية العلمانية التي تستحوذ على الاهتمام الاعلامي بمؤتمراتها وبياناتها ومذكراتها، فان الولايات المتحدة ستكون أكثر حكمة ان هي اولت اهتماما اكثر للاغلبية التي تظل أكثر صمتاً وأقل ثرثرة بكثير.