إياد أبو شقرا

قرأت بعض الردود على مقالتي في الأسبوع الماضي، وبعضها شرّفني ـ ولو في وارد الانتقاد ـ بصفات لم أزعم في يوم من الأيام أنني استحقها.

لقد ناشدني هذا البعض العودة إلى laquo;نضاليتي اليساريةraquo;. وبغض النظر عما تعنيه هاتان الكلمتان في أيامنا السوداء هذه، أعتقد أنه من الأفضل أن نكون أكثر مسؤولية في تعريف المفردات السياسية التي نستسهل تردادها.

حسب مفهومي يناضل المرء من أجل مستقبله ومستقبل عائلته وبيئته ووطنه وفق التزامه بقناعات صادقة قد تتأثر أو لا تتأثر بتغيّر الزمان والمكان والظروف.

أما كلمتا laquo;اليسارraquo; وlaquo;اليمينraquo; فكلمتان ما عاد من الجائز المبالغة في تلوينهما، ولعلهما فقدتا في أي حال الكثير من مضامينهما بعد زلزال انهيار الاتحاد السوفياتي. وأنا اعتقد مع ذلك أنهما في المجتمعات المؤسساتية ـ تمييزاً لها عن المجتمعات الفوضوية أو العشائرية ـ ما زالتا، عبر الأحزاب السياسية والمنظمات التطوعية اللاحكومية، ترتبطان بجملة مقاييس إزاء دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وشكل التعامل مع الأقليات، وموقع الدين في المجتمع ... إلخ.

وكما هو معلوم، كان laquo;اليسارraquo; على امتداد العالم، إبان حقبة الحرب الباردة، يقف ضد فكرة الدولة الدينية أو الامتيازات الطائفية، ويكافح ضد هيمنة القويّ على الضعيف، ويتصدى لنزعات التعصب laquo;الشوفينيةraquo; وlaquo;المكارثيةraquo; التي تلاحق كل من يحمل رأياً مخالفاً .. وصولاً إلى إهدار الدم.

أما اليوم فمن مشاكل عالمنا العربي والإسلامي أننا بتنا نعيش في ظل نوع من laquo;الدوغماتيةraquo; القبيحة التي تعتمد الاستنساب الانتقائي وتجاهل الحقائق وتغييب الفاعل في العديد من أزماتنا.

إنني لأتساءل هل يحق لأي قوة محلية ـ أو ذات وجه محلي ـ أن تفعل ما تشاء ببلد ما وبأهل ذلك البلد، بحجة أن في البيت الأبيض قيادة سيئة وعدوانية مثل قيادة جورج بوش وlaquo;محافظيه القدامى والجددraquo; لا بد من مواجهتها؟

هل علينا أن نتغاضى عن أخطاء تكتيكية وممارسات لا مسؤولة في بلداننا صارت بالتراكم ونتيجة لسوء التصرف، ورطات كبرى برّرت لبوش أن يصوّر نفسه laquo;منقذاً من الضلالraquo; ونسخة تحريرية مستحدثة عُجن فيها سبارتاكوس وسيمون بوليفار وابراهام لنكولن والأم تيريزا في عجينة واحدة؟

هل صارت laquo;الأنظمة البوليسيةraquo; التي تكدّس الثروات المنهوبة من الشعب، باسم الشعب، ترجمة عصرية لمجتمع الثورة وحرب التحرير الشعبية الذي أعجبنا به في جنوب شرق آسيا؟ وهل أصبح أثرياء laquo;الأجهزةraquo; وأبواقها فجأة الـlaquo;موديلاتraquo; الجديدة لهو شي منه ورفيقه الجنرال جياب؟

هل يجوز رشق الناس بالخيانة عندما يصبرون ثلاثين سنة داخل الدولة العربية الوحيدة ذات الجبهة المفتوحة مع laquo;العدوraquo; ... بينما جبهات laquo;الصمودraquo; واللهيب الإعلامي المزمجر وlaquo;المخوّنraquo; صامتة بانتظار يوم التحرير العظيم؟

هل من المقبول أن يقرّر مناضلونا عمداً أنه يحقّ لزيد ما لا يحق لعمرو في مجال التعامل مع laquo;العدوraquo; الصهيوني وlaquo;الإمبرياليةraquo; الأميركية، وبأن تصفية المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وقتل رموزها تباعاً على امتداد ثلاثين سنة، مسألة يجب أن تنسى وتطوى، بل ويستحق laquo;أبطالهاraquo; عليها صكوك البراءة، ... بينما ممنوع على الآخرين التقاط الأنفاس ومحاولة إعادة بناء الدولة بما تيسّر لكي يبقى البنون والبنات في موطنهم بدلاً من دفعهم دفعاً إلى الهجرة النهائية نحو المغتربات البعيدة؟

أي منطق مقلوب وأي نضال مزيف هذا الذي يستدعي laquo;العدوraquo; استدعاءً؟ وأي يسار يدفع قسماً لا يستهان به من الشعب اللبناني إلى طلب الحماية الأجنبية خوفاً من الفريق الآخر داخل الوطن؟

بعض أدعياء laquo;النضالraquo; وlaquo;اليسارraquo; في لبنان، يفعلون بشعاراتهم الثورية والعلمانية عبر تسليمهم المطلق بطروحات laquo;حزب اللهraquo; ما فعله ميشال عفلق بحزب البعث عند إنجاز الوحدة مع مصر عام 1958، إذ حل الحزب معتبراً أن غاية الوحدة قد تحقّقت.

وخلال الأسبوع الماضي سمعت أحدهم وهو ينظّر مثرثراً لكيفية تصدّي لبنان للمشروع الأميركي المعد للمنطقة. ويشير إلى أن أميركا يمكن أن تُهزَم، بدليل أن laquo;هوغو شافيز نجح في فنزويلا، وأن أميركا تجرجر أذيال الخيبة في عموم أميركا اللاتينيةraquo;.

هكذا، بإسقاط عبثي سهل، يتجاوز البعض المعطيات الواقعية والتحليل الجاد، فيستسهلون التغرير بالمواطن العربي، الذي وكأنه لا يكفيه ابتلاؤه بأنظمة تكبت حريته وتدجنه وتصادر مصالحه، يأتيه محترفو النضال المزايد وتجار الشعارات والأحلام لاستغبائه ... وتحويله إلى فرس سباق محقونة بمواد منشطة سامة.

لم يتفضل laquo;المناضلraquo; العلماني والتقدمي العنيد بتنوير المشاهد والمستمع المسكينين حول المفاهيم الاستراتيجية التي تحكم رؤية القوى الكبرى إزاء القضايا التي تتصدى لها، وتفرض التمييز بين ما يمكن التفاوض حوله وما يقع ضمن نطاق laquo;المصالح الحيويةraquo; Core Interests ، والتفاعلات الجوهرية بين التكوين السكاني للمنطقة العربية .. والظروف التاريخية التي حكمت علاقاتها مع التدخل الأجنبي والغزو الإمبريالي.

لم يزعج خاطره بشرح تعقيدات علاقة دول أميركا اللاتينية مع الولايات المتحدة من laquo;شرعة مونروraquo; إلى الهيمنة على الكاريبي، ثم ظاهرتي نشوء الديكتاتوريات العسكرية والثورات اليسارية (الغريبة عملياً عن عالمنا العربي باستثناء اليمن الجنوبي وظفار)، وتبدل العلاقات بين واشنطن والكنيسة الكاثوليكية في دول أميركا اللاتينية عبر العقود، وأخيراً ظاهرة الديمقراطية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

ثمة حقائق لا يجوز تجاهلها ولا المتاجرة فيها.

وعلينا الاعتراف بأننا أمام مأزق خطير مطبق على المنطقة العربية نتيجة صراع مشروعين laquo;أصوليينraquo; غير عربيين أكبر من القدرات العربية الراهنة، يقاتل الأول تحت ذريعة كاذبة هي تعميم الديمقراطية، والثاني تحت كذبة جذابة هي التحرير والوحدة العربية.

في نهاية المطاف علينا أن نختار بين ... التفكير العقلاني القاضي بالتوافق على معادلة سياسية منخفضة التكلفة قد تصون مجتمعاتنا وكياناتنا الهشة بأقل قدر ممكن من المعاناة بانتظار تداعي أحد المشروعين ... او أن نرضى ـ كما هي حالنا اليوم ـ بالتحوّل إلى وقود رخيص لكليهما.

في هذا السياق يجب إدراك مخاطر الاصطفاف السهل وخطأ تنزيه أصحاب المشروعين عن نية الهيمنة وتقاسم النفوذ. وكما هو معيب تبرئة إسرائيل ومناصريها في كواليس واشنطن من تهمة إذلال شعوبنا ومواصلة مشروعها العنصري الاستعماري ... مرفوض أيضاً السماح لمن يسعى إلى عقد صفقات خلفية مع واشنطن وتل أبيب أن يبيعنا laquo;نضالاًraquo; مزعوماً يكذّبه شريط أحداث الشرق الأوسط منذ عام 1970.