جهاد فاضل
ليست سياسة تغذية الانقسامات المذهبية والطائفية المستشرية الآن في منطقة المشرق العربي، ومنها سياسة تفتيت البلد الواحد إلى عدة بلدان، سياسة أمريكية أو غربية وحسب، بل هي أيضاً سياسة من ينعتون أمريكا بالشيطان الأكبر. ولعل هذه النقطة بالذات هي النقطة الوحيدة التي يلتقي عليها الآن الفريقان المتصارعان في المنطقة.؟
فبالعين المجردة لا يمكن ضبط الفريقين المتصارعين في العراق ولبنان وهما متفقان على توسل الطائفية والمذهبية وتأجيجهما، وكذلك على السعي إلى تفتيت الدولة وإقامة الفيدراليات وما هو في حكمها. ولكن ما يبعث على الدهشة ليس سياسة المستعمرين في اللجوء إليها، فهي سياسة استعمارية قديمة، بل توسّلها أيضاً من قبل من ينصبون أنفسهم كمقاومة لهذا الاستعمار وسياساته.. وينسى هؤلاء في حمى توظيف المذهبية لإيقاظ الغرائز وشحنها، ان هذا التوظيف سيف ذو حدين، وان المنطقة ليست مؤلفة من مذهب واحد، وإن من شأن العزف على هذا الوتر أن يستدعي إيقاظ فتنة عامة لن يكون أحد بمنجى منها.
وقد روى رئيس الحكومة اللبنانية الراحل تقي الدين الصلح انه التقى في الولايات المتحدة مرة بالمفكر الأمريكي كرمت روزفلت الذي كان يعمل مديراً لمعهد الشرق الأوسط في واشنطن، وأخذا يتكلمان معاً في شؤون المشرق العربي.. فكان كلما أتى ذكر دولة من هذه الدول ألحقها روزفلت بمشكلة مستعصية لاصقة بها.. فعند ذكر العراق قال: مسكين العراق عنده المشكلة الكردية، وعنده انقسام الشعب بين سنة وشيعة. وعند ذكر الأردن قال: مسكين الأردن عنده مشكلة البدو، والفلسطينيين، وعند ذكر سوريا قال عندها مشكلة توزع الشعب بين طوائف ولم يكن الفرنسيون في مطلع العشرينيات على خطأ عندما أنشأوا دويلات طائفية ومذهبية فيها كدولة العلويين ودولة جبل الدروز. أما لبنان الذي توقف عنده كرمت روزفلت وقفة خاصة، فقال عنه: المشكلة ان البلد فسيفساء طائفية ومذهبية غير متجانسة، وان الموارنة غير مندمجين مع بقية السكان!
وهكذا، أضاف تقي الدين الصلح ضاحكاً، عرفتُ من كرمت روزفلت ان السياسة الغربية في منطقة الشرق الأوسط أشبه بمشتل زراعي يهتم فيه المسؤول بصحة كل مشكلة من مشاكل المنطقة: فهو يحرص على رعايتها ويسقيها بالماء ويمدها بالأسمدة الكيماوية بحيث تكون مشكلة كل قطر أكبر من هذا القطر. ولعل الاستعمار ليس شيئاً في النهاية إلا لائحة بأمراض المجتمعات، ولائحة أخرى بالعقاقير التي تزيدها تفاقماً، وتجعل من البرء منها أمراً مستحيلاً.. وطبيب السوء لم ينشط في بلد كما نشط في بلدان المشرق العربي، ولم يحصل على نتائج كتلك التي حصل عليها في منطقتنا، لأنه منذ عام 1840وهو يرسم خرائط للمنطقة، ولولا روسيا السوفياتية التي كشفت بعد انتصار البولشفية فيها عام 1917م ما جرى بين الحلفاء بعد الحرب العالمية الأولى، لبقيت العملية الجراحية التي أجراها سايكس وبيكو لخريطة المشرق العربي مجهولة المنابت والتفاصيل.
والواقع ان من يدرس سياسة أمريكا الخارجية بوجه عام، يجدها أحياناً quot;ماركسيةquot; بمعنى دراستها العلمية لجميع الصراعات الفئوية والطبقية، وانطلاقها من مبدأ تقوية quot;طبقتيهاquot; في البلدان المختلفة. إلا ان من يدرس سياسة الغرب عموماً في المشرق العربي يجدها quot;قومية عربيةquot; مغالية بمعنى انها تنطلق من مبدأ احتقار الاصطناع الذي تقوم عليه كيانات المشرق، لا لتصنع الوحدة طبعاً، بل لتفكك الكيان المصطنع الواحد إلى عدة كيانات، وتطمع في صياغته من جديد وفقاً لصورة مثالية يكون فيها لكل عنصر كيان، ولكل طائفة ومذهب، وحتى اتجاه سياسي في بعض الأحيان، دويلة!
كل هذا مألوف ومعروف في سياسات الاستعمار التي تعمل وفق مبدأ: quot;فرّق تسدquot;. لكن ما هو غير مألوف ومعروف قبل اليوم، هو استدعاء المذهبية الحادة ذات اللون الصارخ كوسيلة نضال وتعبئة ضد الاستعمار، ومن قبل جهات تقول انها منخرطة في معركة حياة أو موت ضده. طبعاً ان استخدام ايران للمذهب الشيعي، وتعبئة الشيعة وتسليحهم في بعض البلدان العربية وغير العربية، لهما مردود ايجابي على السياسات الايرانية. ولكن الواقع يفيد ان لهما أيضاً مردوداً سلبياً على هذه السياسات ذاتها. فالعراق ولبنان، على سبيل المثال، ليسا بلدين شيعيين. وإيران نفسها ليست شيعية خالصة. والأخبار تقول إن الأمريكيين سيستخدمون من الآن وصاعداً أقليات إيران غير الشيعية لإلهائها في الداخل.
والمعروف ان في إيران أقليات قومية ودينية ذات شأن كعرب الأهواز والأكراد والأذريين والبلوش. ولكن إذا افترضنا ان الايرانيين قادرون على ضبط وضعهم الداخلي لهذه الجهة، فهل هم قادرون على التحكم بالوضع في العراق أو في لبنان؟ لقد أثبتت التجربة ان تصدير إيران للمذهبية إلى هذين البلدين لم يأت بالفائدة المرجوة من هذا التصدير. فبنتيجة هذا التصدير المتواصل منذ سنوات، وبسبب انحياز شيعة العراق الواضح إلى ايران، غرقت بلاد الرافدين في أتون حرب أهلية حقيقية لم تكن لتكون على هذه الصورة لو أن الشعار الآتي من إيران هو الإسلام، وليس المذهب. فالإسلام يجمع في حين ان المذهبية تفرّق. والإسلام يجمع جميع المذاهب الإسلامية ويقرّب فيما بينها، في حين ان المذهبية، وخصوصاً المذهبية المغالية، لا تقود إلا إلى الفتنة. والغريب ان رافعي شعار المذهبية يتصورون انه شعار النجاة والشفاء من كل العلل المستعصية، في حين انه العلة التي لا برء منها إلا برفع شعار الإسلام الجامع الواحد، والأغرب من كل ذلك هو توسّل المذهبية من قبل الفريقين المتصارعين معاً!













التعليقات