علي العبدالله

اختتمت القمة العربية أعمالها وقد تباينت تقييمات المسؤولين والمحللين السياسيين العرب لنتائجها مع وجود ميل لاعتبارها قمة ناجحة أو بتعبير أحدهم أنجح قمة عربية، أو بتعبير آخر قمة القمم العربية.

فهل اعتبرت القمة ناجحة لمجرد تبني إعلان الرياض معظم هموم الأنظمة العربية وبعض هموم شعوبها؟

جددت القمة تمسك الدول العربية بمبادرة السلام العربية التي تبنتها في قمة بيروت 2002 والتي تربط التطبيع الكامل بانسحاب ldquo;إسرائيلrdquo; إلى حدود 1967 وإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وحل مشكلة اللاجئين حلا عادلا، لم تشترط المبادرة تطبيق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ،194 كما تدعي دول عربية، وشكلت لجنة من الرباعية العربية هدفها تسويق المبادرة العربية عالميا وانتدبت عددا من الوزراء العرب (13 وزيرا) لزيارة دول الرباعية الدولية للترويج لها.

غير أن القضية الجوهرية التي لم تأخذ حقها بالمتابعة والنظر هي ماذا بعد؟ ما العمل لو رفضت ldquo;إسرائيلrdquo;، كما هو متوقع، قبول المبادرة، ودعمتها الإدارة الأمريكية، كما هو متوقع كذلك، وتحفظت الرباعية الدولية بذرائع منها على سبيل المثال تركيبة حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية وازدواجية حركة حماس وشروط الرباعية للتعامل معها.

لقد عجزت السيدة رايس، التي تواجه معارضة من داخل الإدارة الأمريكية لإعطاء عملية السلام العربي ldquo;الإسرائيليrdquo; أولوية في تحركها الشرق أوسطي، عن إقناع رئيس وزراء العدو بالتعاطي بإيجابية مع المبادرة العربية كمدخل للتفاهم مع الدول العربية المعتدلة وزادت الأمر صعوبة على هذه الدول بتبنيها لأولوية أولمرت: التطبيع، ودعوتها الدول العربية إلى مد اليد لrdquo;إسرائيلrdquo; بإقامة علاقات تجارية وفتح مكاتب دبلوماسية ولو منخفضة المستوى لدى الكيان ldquo;الإسرائيليrdquo;.

لم تستطع القمة العربية - رغم نجاح خطاب الملك عبدالله بالتعبير عن معظم مطالب الأنظمة العربية وتبني مخاوفها وهواجسها، في تقليل حالات السجال السياسي بين الرؤساء العرب وتحاشي الخلاف حول توصيف الوضع القائم واحتواء معارضات محتملة من دول عربية تصنف متشددة، ما وفر سهولة صدور القرارات، وبالإجماع، ومهد لنجاح القمة وضع آلية لتنفيذ مبادرة السلام العربية وخطة عمل بديلة مناسبة محددة وقابلة للتنفيذ لمواجهة احتمال فشل الرباعية العربية في تسويق الخطة ووضعها موضع التنفيذ، في حال رفضت ldquo;إسرائيلrdquo; المبادرة العربية وسعت إلى إدخال الرباعية العربية في متاهة مثل الاقتراح الذي ألقاه أولمرت على الطاولة بالدعوة إلى العودة إلى خطة خارطة الطريق والبدء بتنفيذ بندها الأول: مكافحة ldquo;الإرهابrdquo; وتفكيك المنظمات ldquo;الإرهابيةrdquo;، أو دعوة الإدارة الأمريكية إلى قمة للرباعيتين العربية والدولية تحضرها ldquo;إسرائيلrdquo;، أو إحالة المبادرة العربية إلى مجلس الأمن الدولي واقتراح الأخير تعديلها بما يتناسب مع مطالب ldquo;إسرائيلrdquo; في نقطتي حق العودة وحدود العام 1967. أو تبني الإدارة الأمريكية للموقف ldquo;الإسرائيليrdquo; بشأن أولوية مكافحة ldquo;الإرهابrdquo; وتفكيك الفصائل الفلسطينية المسلحة، ما يعني دفع الوضع الفلسطيني للعودة إلى مناخ الصدام الداخلي وفتح الوضع الفلسطيني على حرب أهلية طاحنة، والضغط على الدول العربية للدخول في عمليات تطبيع، مهما كان مستواها، أو تمسك الرباعية الدولية بشروطها ورفض رفع الحصار عن الحكومة والمجتمع الفلسطينيين.

لقد أثارت قمة الرياض آمالا كبيرة، ولكنها أثارت مخاوف كثيرة كذلك. فقد أعادت الكرة إلى الملعب ldquo;الإسرائيليrdquo;، ووضعت الرباعية الدولية أمام مسؤولياتها، ولكنها لم تقل ما الذي ستفعله في حال رُفضت المبادرة، وهل ستكتفي بإدارة الأزمة أم ستصر على الحل وكيف؟

كما لم تقدم القمة إجابة محددة عن تداعيات الوضع في العراق وانعكاساته على الدول العربية والإسلامية، خاصة التوتر المذهبي الذي انتشر واستشرى بين المسلمين، باستثناء وصف الوضع القائم في العراق بالاحتلال. لقد انتظر العراقيون مساعدة عربية جادة تقرب يوم الخلاص من الاحتلال ومن مخاطر الحرب الأهلية والانقسام المذهبي وعمليات القتل المجاني التي يذهب ضحيتها آلاف العراقيين الأبرياء (أكثر من 2800 ضحية خلال شهر مارس/ آذار الماضي وحده)، وتفتح الطريق لمصالحة وطنية جادة وشاملة بتقديم المساعدة على إنجاح العملية السياسية عبر توفير حل عادل للمشكلات التي تواجهها مكونات الشعب العراقي القومية والدينية والمذهبية.

كما اكتفت القمة في مواجهة المأزق السياسي اللبناني، والذي تسببت به أجندات غير لبنانية تسعى إلى وضع لبنان الدولة والمجتمع في خدمة مصالحها أو استخدامه ورقة في المساومات الإقليمية والدولية، بالتضامن مع لبنان والتمني له بالسلامة. فاللبنانيون الذين أملوا في التهدئة، التي ترتبت على الحوار السعودي الإيراني من دون طائل، توقعوا خروج الدخان الأبيض وفتح الطريق لحل شامل بعد المصالحة السعودية السورية.

تثير النواقص التي اعترت القمة العربية مخاوف وهواجس كبيرة وخطيرة والتي يمكن أن تحول القمة العربية من أنجح القمم العربية إلى أفشلها على الإطلاق بانهيار المبادرة العربية ودخول النظام الإقليمي العربي عصر هيمنة قوى إقليمية ودولية مطلقة عليه.

فهل تتنبه رئاسة القمة خلال العام إلى تبعات نواقص قرارات القمة وتداعياتها وتتابع عملية المراجعة والتصويب وتنجح في إعادة توجيه العملية السياسية والدبلوماسية بما يحتوي المخاطر الكامنة والمتوقعة في ضوء الرفض ldquo;الإسرائيليrdquo; المدعوم أمريكيا ومحاولات حرف المبادرة العربية عن طريقها وأهدافها، أم يقع النظام الإقليمي العربي، كما عودنا، في الارتباك نتيجة عدم وجود بدائل وآليات لمواجهة المتغيرات واستحقاقاتها ويعود إلى انقساماته ودوران دوله حول ذاتها وتوزعها على خيارات متعددة ومتباينة ومتناقضة ترتب حالة تفاضل قوى بدل تكاملها.