ريا عبيد
في إحدى جلسات الحوار، ذكرت الصحف أن وليد بك جنبلاط، حضر ومعه كتاب. هي عادته حتى في حواراته المتلفزة. يظهر جلياً اعتداده بثقافته وسعة اطلاعه لدرجة اعتباره أن نكاته المهينة تنضح بياناً وبلاغة.
الكتاب الذي أحضره يومذاك هو رواية laquo;سمرقندraquo; لأمين معلوف. جميعنا يعرف عما تتحدث تلك الرواية لأننا نقرأ، رغم مشاغلنا وقهرنا اليومي في تأمين المال اللازم للسلطة التي كان دائماً وأبداً جزءاً منها.
من يقرأ laquo;سمرقندraquo; يدرك ما كان مغزى وليد جنبلاط بإحضاره تلك الرواية على وجه الخصوص. فهي تتحدث عن فرقة laquo;الحشاشينraquo; الإسماعيلية وزعيمها الإيراني الحسن الصباح. لقد ظهر الحشاشون في سجلات الصليبيين قتلة مأجورين سريين من نوع خطر ومهارة خاصة. لديهم ولاء أعمى لشيخهم، وحماسة مرعبة للطاعة حتى الموت، سعداء طمعاً بالفردوس الموعود. وفي المصادر الإسلامية الموالية للسلطة آنذاك لا تختلف النظرة تجاههم إن لم تكن أكثر عداء.
بغض النظر عن رأينا بهذه الفرقة وتاريخها نتساءل ماذا سيكون تعريف المقاومة وlaquo;رجال اللهraquo; كما يسمي حزب الله مقاتليه، إذا ما أراد جنبلاط وأهل السلطة تأريخ هذه المرحلة. سنرى تعابير مثل: ثقافة الموت، التقوقع، الكهوف، الإرهابيين، محور الشر، الظلاميين والشموليين.
للأسف فات البيك المثقف الذي ورث الثقافة واليسار والاشتراكية والطائفة، كما ورث البكوية والقصر والمكتبة عن أبيه وأجداده، فاته أن لطائفة هؤلاء المقاومين وأبناء الطائفة التي ينتمي اليها، تاريخا طويلا مشتركا منذ نشأة كلتيهما، ولم تفترقا إلا في ما ندر حتى laquo;تشريفه الميمونraquo;، ليأخذ بالطائفة وخيارها في اتجاه معاكس لتاريخها وجغرافيتها وقناعاتها.
وليد جنبلاط يعيب على الطائفة الشيعية وعلى حزب الله تحديداً تعاطيه مع إيران ـ الفرس. يعرف أن الزعيم الفكري للمذهب الدرزي هو laquo;حمزة بن علي الزوزنيraquo; إيراني فارسي، وأن تسمية laquo;الدروزraquo; أطلقت عليهم نسبة الى laquo;محمد بن إسماعيل أنوشتكين الدّرزيraquo;، وهو ايراني فارسي أيضا، بعد معركة سهل الأقحوانة في جوار حطين قرب طبريا حيث مقام النبي شعيب الشهير عند الدروز. وكان الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي قد أرسل الدّرزي الى بلاد الشام ليدعو للمذهب الإسماعيلي. والإسماعيلية فرقة من الشيعة اختارت إسماعيل إماماً، وهو الابن الأكبر للإمام السادس جعفر الصادق، بينما اختار الشيعة الإمامية الابن الأصغر موسى الكاظم إماماً سابعا.
والمفارقة أنه ورد في رواية laquo;سمرقندraquo; المستقاة من بطون كتب التاريخ، أن الحسن ابن الصباح قدم الى مصر الفاطمية الإسماعيلية (الشيعية) هرباً من ايران السلجوقية السنية آنذاك... بعدها جاء الحكم الأيوبي فالمملوكي ليحول مصر سنية، ونقل آل بويه والصفويون بمساعدة علماء جبل عامل ايران الى التشيع.
سأل معاوية الأحنف بن قيس: كيف الزمان؟ قال: laquo;أنت يا أمير المؤمنين، إن صلحت صلح، وإن فسدت فسدraquo;. وأضيف إن تشيعت تشيع وإن تسننت تسنن والناس على دين ملوكهم، إلا عند بعض الجماعات الحرة التي اتخذت العقل نبراسا، وجماعة الدروز على رأس القائمة ـ لا تملقاً ولا غزلاً بل قراءة.
فحسب laquo;برنارد لويسraquo; أن الكثيرين من المؤلفين العظام في العربية والفارسية يظهر في كتاباتهم أثر الإسماعيلية، فـlaquo;رسائل إخوان الصفاraquo;، وهي دائرة معارف شهيرة للمعرفة الدينية والدنيوية، وُضعت في القرن العاشر مشبعة بالفكر الإسماعيلي ذي الاتجاه التوفيقي بين الوحي والعلم والفلسفة الإغريقية والحكمة الفارسية وحقائق التاريخ المجردة. وقد كان لها الأثر العميق في الحياة الفكرية الإسلامية من بغداد الى الأندلس (ابن رشد) وصولاً الى أوروبا لاحقا. وذلك كله مقابل سلفية جامدة وتزمت قاهر اعتمدت السلطة عليه للاستحصال على شرعيتها لتقطع الطرق على التطلعات الفكرية للمؤمنين بضرورة التغيير والقيام بمجتمع عادل ومتقدم.
في مقابل التاريخ الفكري والحيوي والمقاوم المميز للدروز، إن كان على صعيد حقهم في الوجود والاختلاف كفرقة ذات عقيدة أو على صعيد مقاومتهم الى جانب الفرق الإسلامية الأخرى ضد الأعداء الخارجيين من المغول فالصليبيين الى الفرنسيين. جاء من يسلبها هذا التميز! قد يكون من laquo;المبلوعraquo; أن تورّث الزعامة السياسية، ولكن من غير المعقول أن تورّث طائفة أو مذهب ديني. عبر التاريخ لم يحصل الذي حصل مع الدروز وآل جنبلاط. لقد اختطفت المختارة قرار الطائفة طوعاً أو كرهاً بما يلائم مصالح ساكنيها، مخالفة بذلك حتى العقلية التقليدية للقبيلة العربية التي تُغيب مصلحة الفرد في سبيل الجماعة: ما أنا إلا من غُزية...
لزعيم الأمر الواقع نقول ان سماحة السيد نصر الله هو الامام موسى الصدر والامام شمس الدين معا، الناطق باسمهما وباسمنا خيارا لا واقعا مرا كما حال الطوائف الأخرى مع ناطقيها ووارثيها.
خياراتنا واضحة: لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه وليس إقطاعات أبدية لزعمائه. عدونا واضح، حيث سقط أبناؤنا شهداء على بعد بضعة أمتار من سهل الأقحوانة المغتصب، وحيث لن يغرق شعبنا كما شعب فلسطين المسكين في المياه الآسنة أو تطارده كلاب الصهاينة المدربة على إذلاله.
مع رجال الله وسماحة السيد نحن مطمئنون لمستقبل هذا الوطن. ولغيرنا القلق الدائم واستجارة الأعداء لتثبيت كرسيه المهتزة أمام رياح الحق والتغيير.
٭ أهدي ثواب ما كتبت الى روح الراحل جوزيف سماحة.














التعليقات