عبدالجليل زيد المرهون
اجتاحت موجات المد البحري العاتية (تسونامي) يوم الاثنين الماضي جزر سليمان مدمرة قرى بأكملها ومشردة الآلاف.وذلك بعد أن ضرب المنطقة زلزال رصد مركزه على بعد 350كلم شمال غربي العاصمة هونيارا، وعلى عمق نحو عشرة كيلومترات تحت سطح المحيط.
وقالت هيئات جيولوجية كثيرة، بما في ذلك هيئات جيولوجية في استراليا واليابان، إن قوة الزلزال بلغت 8.1 درجة بمقياس ريختر، في حين عدل معهد المسح الجيولوجي الأميركي تقديرا أعلنه في وقت سابق لتصبح قوة الزلزال ثماني درجات.وقد كان واضحا أن زلزالا بهذه القوة يمكن أن يتسبب في تسونامي مدمر خلال دقائق أو ساعات، حيث إن أي زلزال يتجاوز ست درجات بمقياس ريختر قد يتسبب في موجات مد عاتية.
وقد أبلغ سكان جزر سليمان عن موجات مد وصل ارتفاعها في بعض المناطق إلى 200متر، فيما تراوح ارتفاع الأمواج في مناطق أخرى بين 10و 15مترا.وتقع جزر سليمان علي مسافة 2575كيلومترا إلى الشرق من استراليا، وهي عبارة عن أرخبيل مكون من عشرات الجزر يعيش فيها نحو نصف مليون نسمة.
وفي اليوم التالي لكارثة جزر سليمان، أي يوم الثلاثاء الماضي، ضرب زلزال قوي بلغت شدته 6.2درجات على مقياس ريختر منطقة جبال الهندوكوش شمال شرقي أفغانستان، وحيث أحس به سكان العاصمة كابول ومعظم أرجاء باكستان، وصولا إلى نيودلهي.وقالت إدارة الأرصاد الجوية في باكستان إن مركز الزلزال يقع على بعد 260كلم شمال شرق كابول وعلى عمق 200كلم.
وكانت الفيضانات قد اجتاحت وسط وشمال أفغانستان خلال الأيام القليلة الماضية، مخلفة 80قتيلا، فيما تضرر نحو 25ألف شخص.وكان زلزالا مدمرا قد ضرب المنطقة في تشرين الأول أكتوبر من العام 2005وخلف 73ألف قتيل، وشرد أضعاف هذا العدد.
وفي السادس من آذار مارس الماضي، ضرب زلزال قوته 6.3على مقياس ريختر مدينة بادانج، غربي جزيرة سومطرة الإندونيسية، مخلفا ما لا يقل عن 70قتيلا، كما أثار هلعا في أرجاء كثيرة من جنوب شرق آسيا، حيث شعر به سكان سنغافورة وماليزيا، بل إن المباني اهتزت في المناطق الساحلية من ماليزيا وفي حي سنغافورة التجاري.
وكانت كارثة تسونامي ثانية قد حلت بإندونيسيا في العام الماضي، مخلفة 650قتيلا، وذلك على خلفية الزلزال الذي ضرب جزيرة جاوه في السابع عشر من تموز يوليو.وقبل ذلك بأقل من شهرين، وتحديدا في 27أيار مايو الماضي، ضرب زلزال بقوة 6.3درجة على مقياس ريختر منطقة يوجياكارتا بجزيرة جاوا، مخلفا أكثر من 5800قتيل.وقبل أكثر من عامين، وتحديدا في آذار مارس 2005، حدث زلزال بحري بقوة 8.7على مقياس ريختر قبالة سواحل سومطرة، مسببا الهلع بين سكان المناطق التي عانت من كارثة تسونامي في كانون الأول ديسمبر 2004.وكان مركز الزلزال يبعد نحو 200كلم عن بلدة سيبولا، التي يجعلها موقعها على الخريطة الزلزالية حساسة جدا، حيث تلتقي عدة أجزاء من القشرة الأرضية.
وقبل ذلك بأسبوع، شهد إقليم بابوا الواقع في شرق اندونيسيا زلزالين خلال يومين، بقوة تجاوزت سبع درجات على مقياس ريختر.ولكن لم تكن للزلزال القوة الكافية لتحريك القشرة الأرضية في قعر البحر، كما أن مركزه كان عميقا للغاية.وأوضحت المعطيات أن أمواجا من نوع تسونامي تكونت بالفعل، لكنها لم تلاحظ على الشواطئ.
وتقع إندونيسيا على ما يعرف بحلقة النار، وهي منطقة تتميز بنشاط زلزالي عال. وتحدث الزلازل هناك بسبب التكوين الجيولوجي المتسم بوجود مجموعات من الطبقات الأرضية المتفككة والمتراكبة تحت المحيط.
وبعد كارثة تسونامي الأولى، نشر فريق من جامعة آلستر البريطانية بحثا في مجلة Nature يشير إلى إن كلا من الصدع السومطري وصدع سوندا المتاخم قد تعرضا لهزة قوية تؤثر على استقرارهما الهش، مما ينذر بتحرك مكوناتهما الجيولوجية من طبقات صخرية متراكبة تحت مياه المحيط الهندي. وقد يؤدي ذلك إلى حدوث زلزال تحت المياه تصل قوته إلى 8.5على مقياس ريختر، بالإضافة إلى زلزال أرضي تبلغ قوته 7.5على المقياس نفسه.
وكان الزلزال الذي أسفر عن كارثة تسونامي في العام 2004قد حدث حينما انزلق طبق الهند الأرضي تحت طبق بورما الأرضي.والطبق الأرضي هو مجموعة من الطبقات الصخرية المتراكبة فوق بعضها والتي تشكل في مجموعها طبقا هائلا، ولكنه ليس كامل الثبات، ويمكن أن يهتز استقراره عند أي مؤثر شديد.
ورأى بحث مجلة Nature إنه حين حدث التضاغط الأخير للأطباق الأرضية في منطقة المحيط الهندي شكل ذلك عبئا محتملا على باقي الأطباق المتاخمة. وقد استخدم فريق البحث المعلومات الواردة من محطات الرصد، وقام بحساب الضغط الذي سببه تسونامي على الأطباق المحيطة.وركز البحث على الصدع السومطري الذي ينصف جزيرة سومطرة، والصدع الآخر المعروف باسم سوندا.وقال الباحثون إنهم وجدوا الطبقين quot;مشحونينquot; بصورة كبيرة. ويمتد جزء صدع سوندا المتأثر بالتضاغط على مسافة خمسين كيلومترا، بينما يمتد جزء صدع سومطرة المتأثر بالتضاغط على مسافة 300كيلومترا.
وفي كانون الأول ديسمبر من العام 2005قال العالم الجغرافي البروفيسور كيري سيه، الذي عكف على دراسة الجزر قبالة سواحل جنوب سومطرة إنه من الواضح للغاية أن الإقليم يمكنه توقع المزيد من الزلازل الكبيرة وموجات المد العاتية المصاحبة لها، وذلك على مدى العقود القادمة.واستخدم البروفيسور سيه شبكة لتحديد المواقع بالأقمار الصناعية لمراقبة حركات الأرض على مقربة من خط الصدع العظيم الذي تفتق في كانون الأول ديسمبر من العام 2004مما أسفر عن وقوع كارثة تسونامي.
وأشارت أبحاث سيه إلى أنه لا يزال هناك إجهاد كبير محتجز في الصدع، وأن هذا الإجهاد قد يجد مخرجا في المستقبل القريب. ورأى سيه حينها أن مدينتي بيدانج وبينجكولو الإندونيسيتين ربما كانتا الأكثر عرضة للخطر.وقال إن تنامي الإجهاد في المنطقة واضح من سلوك سواحل الجزر، التي أغرقت بعضها المياه.ومن طبيعة الألواح التكتونية أنها لا تنزلق بسلاسة بل تقفز إحداها تحت الأخرى.وقد كشف المسح الذي أجري على شمال سومطرة عن بروز الشعاب المرجانية من المياه إثر ارتفاع الألواح الأرضية.
ولكن على الرغم من كل هذه التحذيرات،فان الكوارث تكررت على إندونيسيا، واحدة تلوى الأخرى، لأن شيئا لم يتخذ على صعيد الاحتياطات الواجب إتباعها لحماية السكان القاطنين في المنطقة.ودعونا نقول إن المجتمع الدولي لم يف بعد بوعوده التي قطعها بإقامة نظام للإنذار المبكر من موجات تسونامي في منطقة المحيط الهندي. والحقيقة أن هذا النظام، في حال وجد، لا يمكن اختصاره بإقامة مجسات في عرض المحيط مع نظام للمراقبة بالأقمار الصناعية،بل يتطلب تشييد بنية تحتية مؤهلة في البلدان المعرضة للخطر،حتى يستطيع الناس حماية أنفسهم وأرزاقهم.
وإن أياً من الدول التسع الأشد تأثراً بكارثة تسونامي التي ضربت منطقة المحيط الهندي في العام 2004لم يكن لديها أنظمة للإنذار المبكر، حتى بالمفهوم الضيق لهذا النظام.وقد كان الإخفاق عائدا جزئيا إلى غياب المؤسسات الدولية التي من شأنها أن تنتبه إلى النطاق العريض من الكوارث البيئية المحتملة.
وعلى مستوى منطقة المحيط الهادي، شاركت أكثر من 30دولة في أيار مايو من العام الماضي في تجربة لنظام جديد للتحذير من وقوع تسونامي. وقد بني الاختبار على افتراض وقوع زلزال قوته 9.2درجة بالقرب من سواحل شيلي، الأمر الذي يتسبب في إرسال أمواج تسونامي عبر شرق المحيط الهادئ.ونظام التحذير من الزلازل موجود بالفعل في مجموعة من الدول المطلة على المحيط الهادئ، لكن لم يتم تطويره أو تجريبه على هذا النطاق من قبل.
ومرة أخرى، فإن هذا النظام لن يكون فاعلا هو الآخر في غياب البنية التحتية المؤهلة في الدول الفقيرة، والدليل هو ما حدث هذا الأسبوع في جزر سليمان، حيث غرقت قرى بأكملها بأمواج تسونامي العاتية. وأمواج تسونامي عبارة عن سلسلة من أمواج البحر السريعة والقوية التي تنتج عن الزلازل أو ثورات البراكين أو سقوط الشهب من الفضاء الخارجي في البحار والمحيطات.ويكثر حدوث الظاهرة في منطقة المحيط الهادي، حيث يوجد أكثر من نصف براكين العالم.وعندما تقع هذه الظاهرة فإن المناطق الساحلية تتعرض، دون إنذار مسبق في بعض الأحيان، لموجات بالغة القوة. ويمكن لتلك الأمواج أن تحمل صخوراً من حوائط صد الأمواج، زنة الواحدة منها عشرون طنا، وأن تقذف بها لمسافة عشرين متراً.
والفارق بين أمواج تسونامي وأمواج البحر العادية هو أن طاقة الأولى تستمد من حركة الأرض وليس من الرياح. ويصل طول أمواج تسونامي (أي المسافة بين قمة الموجة وقاعها) إلى مئة كيلومتر، كما أن الزمن بين الموجة والموجة التالية لها قد يصل إلى ساعة كاملة. وتصل سرعة أمواج تسونامي في المحيط الهادي إلى 800كيلومتر في الساعة. فإذا وقع زلزال في مدينة لوس أنجليس الأميركية، تصل أمواج المد العاتية إلى العاصمة اليابانية طوكيو في زمن أقل مما تستغرقه الرحلة بين المدينتين بطائرة نفاثة. وعندما تقترب موجات تسونامي من الشاطئ فإن سرعتها تقل وتبدو كموجة عادية لكنها تتمتع بقوة شديدة للغاية. فكلما قل عمق المياه تحت موجات تسونامي مع اقترابها من الشاطئ فإن سرعتها تقل، لكن ارتفاعها يزداد. ومن فرط شدة تلك الأمواج عندما تضرب الشواطئ، فإنها تكون قادرة على تجريف رمال الشواطئ واقتلاع الأشجار بل وتدمير مدن بأكملها.
والواضح اليوم، أن ازدياد عدد الأعاصير وتعاظم شدتها يرجع إلى ارتفاع درجات حرارة سطح البحر نتيجة لظاهرة الاحتباس الحراري الذي يواجهه العالم، والناجمة عن أفعال البشر. ومن المنتظر أن تزداد حرارة الأرض ارتفاعاً خلال العقود القادمة، بحيث يؤدي ذلك إلى حرائق أكثر عدداً وأضخم هولاً، وانهيارات أرضية وسيول طينية، وموجات حارة، وجفاف، وأعاصير عاتية.
وقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في منتصف كانون الأول ديسمبر من العام 2005خطة تمويل طارئة جديدة لتوفير الإغاثة الفورية للأشخاص المتضررين من جراء الكوارث الكبرى حول العالم. وهدف صندوق الاستجابة للطوارئ، الذي خصص له حينها 500مليون دولار، إلى تقليل الحاجة إلى المناشدات لتقديم المساعدات في كل مرة تقع فيها كارثة في إحدى المناطق. وجاء إقرار الخطة في ظل القلق الذي أعقب التجاوب البطيء مع كارثة زلزال باكستان.وكان يوجد لدى الأمم المتحدة بالفعل صندوق استجابة للطوارئ لكنه لا يحتوي سوى على خمسين مليون دولار يمكن استخدامها فقط لإقراض هيئات الأمم المتحدة التي تلقت بالفعل وعودا بالتمويل من دول مانحة.ولكن حتى في ظل وجود هذا الصندوق الجديد، فإن الأمر لا يتغير كثيرا، إذ من سيحمي الضعفاء من الطوفان وهو يجتاح قراهم ومنازلهم.ومن سيحميهم من تشقق الأرض وتصدعها، ونثرها كل ما عليها.
إن الاستعداد واجب وضروري، وعلى الدول العمل على إعداد البنية التحية المؤهلة للتعامل مع هذه الكوارث،وعلى الأسرة الدولية مد يدها للدول الفقيرة ومساعدتها في الحفاظ على أرواح وأرزاق سكانها.إن الوقاية خير من العلاج، ومليار دولار ينفق على إعداد نظام متكامل للإنذار المبكر، معززا ببنية تحتية مؤهلة، خير من عشرة مليارات يتم إنفاقها على رفع الأنقاض وتشييد خيم و مساكن مؤقتة، وإعادة بناء مدارس ومستشفيات مدمرة.
واليوم، فإن زلازل كبرى قد ضربت فعليا كافة أرجاء القارة،شمالها (اليابان) وشرقها الأقصى (تايوان) وجنوبها الشرقي (إندونيسيا) وجنوبها (شطري كشمير) وغربها (إيران).وإن مزيدا من الأعاصير والفيضانات مرشح للحدوث بفعل التزايد المستمر لظاهرة الاحتباس الحراري.والسؤال هو: ما هي طبيعة الاستعدادات التي تم اعتمادها لحماية الشواطئ والمدن الساحلية من الفيضانات المحتملة، هنا في غرب آسيا، وخاصة في منطقة الخليج؟.
نحن اليوم قادرون على اعتماد الكثير من الخطوات الوقائية،ووضع مخصصات مالية مناسبة لذلك،ولكن حين تداهمنا الفيضانات وتغرق بيوتنا ومجمعاتنا التجارية فان المبالغ المطلوبة لن تتضاعف مرة أو عشر، بل ربما مئات المرات.وهل ترانا حينها سوف ندعو المجتمع الدولي لمساعدتنا، بينما نحن اليوم من يتقدم قوافل المساعدات في شرق الأرض وغربها.
إن دول المنطقة عليها أن تفكر مليا في هذا الخطر المستتر، وأن لا تركن إلى رغيد العيش، فنحن مسؤولون عن حماية انجازاتنا التي صنعناها على مر عقود وقرون. ولعمري، فإن مليون دولار ينفق على تعزيز مناعة ساحل خير من مليار يصرف في تشييد ناطحة سحاب.إن سلم أولوياتنا يجب أن يلحظ مبدأ تعزيز المناعة الطبيعية لدولنا، بقراها ومدنها.وعلى نخبنا أن تجتهد، من مواقعها المختلفة، في ابتكار السبل التي تقودنا لتحقيق هذا الهدف.














التعليقات