الخميس 12 أبريل 2007


ناصر الظاهري


لا شيء يربك مثل سماعة النقال المختبئة تحت الغترة أو من تحت الشيلة أو تلك التي تعمل بـ''البلوتوث'' والتي تتشكل مع استدارات الأذن، فمرة تشعر أن الشخص يتكلم وحده، فتذهب بك الظنون نحو الجنون، ومرة تراه ينازع النقال وكأنه عدو لعين، ومرة ترى زرافات من الشباب وجميعهم يتكلمون في نفس واحد، وكأنهم جوقة موسيقية ليس بينهم هارمونيmiddot; يستوقفك وأنت تمر بجانب شخص صوته وهو يقول: مرحبا، فترد عليه بصوت مفاجئ وقوي: مرحبتين، وتبتسم له على أساس أنه معرفة قديمة، لم تنتبه له في ضجيج المول، وتبدي اعتذارك بطريقة لبقة، فيتوقف الرجل وتقترب منه أكثر، وهو شبه جافل، فترشه بمحبة على الغشم على الطريقة العيناوية، وبعد السلامات والتحيات، يودعك بإنكار، مكملاً محادثته الهاتفية، وأنت متصلب في مكانك، وكأن أحداً دلق عليك جردل ماء بارداmiddot; أما الأكثر إحراجاً، فهو أن تمر بجانبك فتاة متغشية، وتسمعها فجأة تقول لك: ''كيف حالك غناتيmiddot;middot; شو أخبارك عيوني، فديت هالويه'' فتقف متسمراً وتشعر بتعرق مفاجئ، فترد عليها التحية بأحسن منها: الحمد للهmiddot;middot; الله يخليكmiddot;middot; فتتوقف هي مصدومة، وتظن أنك قليل الأدب، وهذا أضعف الإيمان، وأنت تتحسب أنها وقفت من أجلك، فتقترب نحوها بخطوات وئيدة، وحركات وجلى، تحدثك نفسك الأمّارة بالسوء دائماً عن الأماني والأغاني وبحلم مباغت، وتكمل حديثك معها: كيف حالك أنتmiddot;middot; اسمحي لي ما عرفتك من الغشوة، فتزوّر بنظرها عنك، وترد عليك من دهشتها: ''وايهmiddot;middot; فقدت هالويهmiddot;middot; شو فيك أنت ما تستحي، ما عندك شغل'' فتحاول أن تلملم بعضك، وتدرك حجم الحرج الذي وقعت فيه، فتقول لها: آسف يا أختيmiddot;middot;افتكرتك تكلميني، فإن كانت بنتاً متفهمة، فستنصرف وهي تقول: خل عنك هالحركات middot;middot; تراها مب علينا، وإن كانت بنتاً تحسبك أن كنت تعاكسها، وهي تفرح بذلك قليلاً، فستسمعك كلمات لا تود أن تسمعها، لجر قدمك، وحين ترى خيبتك بادية، وتلعثمك واضحاً، فستنصرف لاعنة حظها الأعوج هذا اليوم، وإن كانت من البنات التي تحب أن ترى جنازة لتشبع فيها من اللطم، فسيرتفع صوتها متحسرة على الشرف الرفيع والكرامة المهدورة والفضيلة الغائبة، بعدها ستكيل لك من الكلمات التي ستخرسك إلى الأبد مثل أمكmiddot;middot; أختكmiddot;middot; على الذي جاء بكmiddot; ستحاول الهرب معتذراً بلباقة لا تفيد حينها، هارباً ببقية الكرامة، التي إن بقيت أمامها أكثر، فستتبعثر أمام السادة المتفرجين الأعزاء والمشاهدين الكرام، والذين يحبون ''الطماشه'' ولا يستبعد أن يظهر من بين الصفوف واحد من ''الاخوان'' أقصد أخوان شما أو واحد ممن لا تأخذهم في نبذ الرذيلة لومة لائم، على أساس أن أخا شما من المتطهرين ومن غاضي البصر، وعلى أساس أن الآخر، مكتفٍ بما أتاه الله في هذه الدنيا من نصيب، فيلقنوك دروساً في التربية الوطنية، وحصصاً في التربية الإسلاميةmiddot; أما إن كانت بنتاً ممن تحب أن تبهدل الشباب، فلن تكتفي بأن تعدّك من الشباب المستهتر والمتسكع والمعاكس المتصيد في الأسواق، بل ستظل تشكوك وتشتكي منك حتى تشهر بك، وتظهر صورتك في الصحف، تلك الصورة التي لم تكن راضياً عنها كثيراً، بتلك الكندورة المتقرفصة والغترة التي على الكتف، مع كحل أثمد خفيف في العيون التي ما زالت مندهشة ومستغربة من الموقف الحرج، والتي غاب عن ناظريها حينذاك تلك السماعة الصغيرة الخفية أم خيط نايلون أسود والمخفية تحت تلك العباءة السوداءmiddot;