طلال سلمان


ليس 13 نيسان يوماً من الماضي. إنه يتبدى، في هذه اللحظة، وكأنه يوم ممطوط كدهر منذ العام 1975 وحتى الغد الذي سيحمل بعض تشوهاته التي استولدتها خلافات جديدة كانت تتبدى ثانوية جداً فإذا laquo;الدولraquo; المحتشدة في ثناياها تجعلها laquo;مصيريةraquo;!!
أي لبنانيين يلتقيان في ظلال الذكرى الثانية والثلاثين لذلك اليوم الأغبر الذي سيغدو مدخلاً إلى تاريخنا المعاصر، يتسابقان إلى طرح السؤال الذي يعرفان كلاهما أنهما لا يملكان جوابه: أهي الحرب الأهلية كرة أخرى؟! وهل باتت قريبة منا حقاً بحيث انعدمت أمامنا الفرص لتجنبها؟!

حتى بعد 32 سنة لم يتفق اللبنانيون على رواية واحدة، صادقة وموثقة مهما كانت مؤلمة إلى حد الجرح، لتلك الحرب، بما يمكنهم من طي صفحاتها السوداء والتحرر من كابوس ذكرياتها المؤلمة... ولذلك قد يرى بعض الناس أنها لم تنته تماماً!

وكما للحرب الماضية روايات عدة، متناقضة غالباً، تختلف باختلاف رواتها وانحيازاتهم وlaquo;أبطالهاraquo; الذين ما زال بعضهم laquo;نجوماًraquo; يتقدمون الصفوف في مواقع القيادة في هذه laquo;الجبهةraquo; أو تلك، كذلك فإن للحرب الجديدة ذرائع متعددة هي طبعات منقحة ومزيدة عما استخدم لتعبئة laquo;الجمهورraquo; وحشده في طوابير القتال تحت شعارات ليست هي الهدف الفعلي للحرب قبل 32 سنة.
وكما قيل في الحرب الأهلية السابقة إنها laquo;حروب الآخرينraquo; على أرضنا، يقال اليوم، بغير الإشارة إلى أن كل الحروب الأهلية، في كل زمان ومكان، تبدو في أكمل تجلياتها حروب الآخرين على أرض غفل أهلها عن حمايتها وحماية مستقبلهم فيها؟!

يقول المتشائم: إن تاريخ لبنان ليس إلا سلسلة من الحروب الأهلية تتخللها فواصل من السلم الأهلي الهش، نتيجة اختلال في التوازن بين laquo;الدولraquo; أو تصادم مشاريعها فوق أرضنا.
ويقول المتفائل: إن الحرب الأهلية هي وحدها الطريق إلى الغد الأفضل.. لكن الغد الأفضل هو الضحية الأولى لأي حرب أهلية.

٭ ٭ ٭

الرعب يمسك بتلابيب اللبنانيين. يقلقهم في لياليهم الطويلة، ويضيق عليهم أسباب العيش في نهاراتهم المظللة بهواجس الخوف بعضهم من البعض الآخر. يهجر شبابهم وهم بكفاءاتهم عدة المستقبل الأفضل. يخرب اقتصادهم، ويفقرهم، ويضرب آمالهم برخاء كان يبدو متاحاً، لا سيما مع الطفرة الهائلة في مداخيل النفط عند إخوانهم العرب الذين طالما أحبوا لبنان مصيفاً ومصرفاً ودار متعة ومجال استثمار مجزٍ.

الرعب يسد طريق الغد... فالخلاف السياسي الذي تبدى laquo;طبيعياًraquo; ومحصوراً في خانة الاجتهاد حول وظيفة الحكم ودور laquo;الدولةraquo; في المجتمع، تفجّر بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في الصيف الماضي تناقضاً حاداً حول موقع لبنان في منطقته بل حول هويته في مواجهة المشروع الذي أطلقته الإدارة الأميركية اثر احتلالها العراق تحت مسمى laquo;الشرق الأوسط الجديدraquo; الذي طريقه laquo;الفوضى البناءةraquo;.
ثم أخذ المختلفون يعززون جبهاتهم المتواجهة، فأسقط ما كان مقدساً وما كان موضع اتفاق ضمني عام، حتى لو لم يصل إلى الإجماع، بما في ذلك العداء لإسرائيل.
صارت laquo;الدولraquo; في laquo;الداخلraquo;. وصار laquo;الداخلraquo; جبهات دولية متواجهة.

ومن أسف فإن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري تحولت إلى ما يشبه laquo;الأرض الحرامraquo; تفصل بين طرفين لم يكونا مختلفين لا على جسامة الخسارة، ولا على خطورة الجريمة التي أفقدت العرب laquo;رجلهم الدوليraquo;.
الجريمة هي الجريمة في نظر الجميع، لأن ضحيتها الرئيس الشهيد كان كبيراً بحيث يصعب حصره أو محاصرته في طائفة أو مذهب أو مدينة أو جهة. كان laquo;الأكبرraquo; بين أقرانه.. ليس أكبر منه إلا وطنه. وكان المفترض أن يتكاتف الجميع لحماية الوطن ليحموه فيه.

وكما لا يجوز أن تضيع هدراً دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن توالى بعده في موكب الشهداء وضحايا الاغتيالات السياسية، كذلك فإن التفريط بالوطن ـ ودولته ـ ليس ثأراً للشهداء، بل هو يكاد يكون اغتيالاً ثانياً له بالذات ولهم جميعاً معه.
وكان الأمل أن تكون الجريمة التي أدان اللبنانيون جميعاً المحرضين والمخططين ومنفذيها، حافزاً لتوطيد الوحدة الوطنية لأنها هي laquo;الثأرraquo; الفعلي للشهداء، إذ بها نمنع هدر هذه الدماء، ثم هدر المزيد من دماء اللبنانيين في laquo;دولةraquo; تحفظهم جميعاً وتحمي حقهم بيومهم وبغدهم.

إن مشاعر الانتقام لا تبني دولاً فكيف إذا صارت استثماراً سياسياً لدول كثيرة بعضها قريب ومعظمها بعيد بالعاطفة والمصالح، لم نعرف منه إلا الويل في لبنان كما في فلسطين وصولاً إلى العراق النازف أمام عيوننا لاختلاف أهله الذين تأخذهم عقدة الثأر إلى laquo;تبرئةraquo; عدوهم جميعاً، واندفاع بعضهم إلى الانتقام من بعضهم الآخر، بينما الكل ممن كانوا ضحايا الطغيان هم الآن ضحايا التدمير الكلي لدولتهم ووطنهم وأواصر الأخوة بينهم على أيدي الاحتلال الأميركي!
٭ ٭ ٭
الحرب الأهلية تبدل في القــيم والمفــاهيم وليــس فقط في التحالفات السياسية.

وها نحن نشهد تحالفات مستجدة بين من كانوا يتواجهون بالسلاح في الحرب الأهلية التي امتدت ما بين 13 نيسان 1975 (أو للدقة ما بين محاولة اغتيال الشهيد معروف سعد في صيدا في 26 شباط 1975) وخريف ,1990 متجاوزة اتفاق الطائف في خريف ,1989 الذي أعاد صياغة النظام السياسي وأرساه بطبعته الجديدة على قاعدة laquo;المشاركةraquo; التي كانت مطلب laquo;الأكثريةraquo; التي نراها الآن منشقة على ذاتها وتكاد تتواجه بينما لا سبب يتصل بطبيعة توزع مواقع السلطة يفرض مثل هذا الانشقاق وهذه المواجهة.

لقد اختل الميزان، مرة أخرى، وافترق الحلفاء في طلب laquo;المشاركةraquo; إلى حد التصادم في الشارع، بينما سقط الدستور والمؤسسات الدستورية أشلاء: رئاسة الجمهورية معزولة بل شبه منبوذة، والحكومة laquo;بتراءraquo; بعدما غادرها ثالث الشركاء الكبار إلى الشارع، بغير وداع، أما المجلس النيابي فمقفل في انتظار الوفاق الذي دونه سدود تبدأ في نيويورك وتمتد عبر أوروبا جميعاً إلى معظم العواصم العربية وبالذات الأساسية منها الرياض ومعها القاهرة، ولا تنتهي مع الأبواب المقفلة في دمشق.

كيف تكون الحرب إن لم تكن كل هذه العوامل بين أسبابها المباشرة بدل أن تكون بين موانعها؟!
كيف لا يختل التوازن الثلاثي وقد كسرت إحدى قوائمه؟!

٭ ٭ ٭
بين 1975 و2007 تبدلت مواقع القوى، وتفرّقت صفوف الحلفاء، فتحالف من كانوا خصوماً، واختصم من كانوا حلفاء وفقدت المشاركة نقطة ارتكازها الدستورية الثابتة فصار النظام كله في مهب الريح، لا يحميه من السقوط إلا دعم laquo;الدولraquo; التي تريد توظيف الأزمة اللبنانية في حروبها المفتوحة ضد هوية هذه المنطقة العربية وضد حقها في مستقبلها.
لكأنه مفروض على اللبنانيين الذين قاتلوا مرة دفاعاً عن هوية هذه الأرض فتواجهوا بالسلاح، أن يقتتلوا مجدداً بعدما تبادلوا المواقع فتبنى العروبيون منطقاً كانوا يعتبرونه laquo;انعزالياًraquo;، وانحرف التقدميون نحو مواقع طائفية وصار الحالمون بالتغيير متهمين بالمذهبية.

٭ ٭ ٭
لكأن اللبنانيين لم يتعلموا الدرس المكتوب بدمائهم.

هل يستطيع أي laquo;قائدraquo; أو laquo;زعيمraquo; أو laquo;مرجعraquo;، زمنياً كان أم روحياً، أن يطمئن الناس إلى أن هذا الوضع الهش لن يتفجر بأهله في أية لحظة، إن لم يكن نتيجة تخطيط فنتيجة خطأ في الحساب، أو سوء تقدير للانفعالات وتوتر العواطف، خصوصاً وقد دخلت laquo;الدولraquo; بمصالحها في ثنايا المشاعر ونجحت في توظيفها لحسابها؟!
أم أن اللبنانيين لطول laquo;سكنهمraquo; في مناخ الحرب الأهلية احترفوها؟!

هل سقط حاجز الخوف من الموت ولو على حساب القضية بدلاً من الشهادة من أجلها؟
أم أن اللبنانيين سيفرضون على قيادتهم التنبّه وعدم جرّهم مرة أخرى إلى الحرب الأهلية التي يتندّر بعض العرب بأنها صارت عند اللبنانيين laquo;مهنةraquo; ومن قبل كانوا يتندرون بأن laquo;اللبنانيةraquo; مهنة وليست هوية؟!
فلنأمل أن تكون laquo;الذكرىraquo; مناسبة للانتباه وتجنب تكرارها!