السبت 14 أبريل 2007


حوار ـ محمد المصلح، القبس
أكد أستاذ الفلسفة في جامعة الكويت د.عزت قرني ان هناك بعض الأصوات والأقلام تحاول تهميش دور الفلسفة، موضحا ان الفلسفة هي الممثل الشرعي لوجود المجتمعات، لأنها تحمل الرؤية الحقيقية للكون والإنسان.

وتحدث في مقابلة مع 'القبس' عن رفض السلطة الدينية للفلسفة قائلا ان الاصوليين غير المستنيرين ضالعون في قمع الفلاسفة، وذلك تحد غير مبرر ويهدف الى محاولة احتكار السلطة المعنوية، واصفا البعض ممن لا يقدرون العلم بأنهم 'مفلسفون'، مشيرا الى ان علم اصول الفلسفة تاريخي، فآراء الفلاسفة القدامى انارت الطريق امام الإنسانية، كما أن الفكر الإسلامي ما هو الا دراسة لجوانب الانجازات العظيمة للفلسفة اليونانية.
واضاف د.قرني ان الحضارة الإسلامية يرجع اساسها وأصلها الى التوحيد، مؤكدا انها اتجهت اتجاهات مهمة في ميادين العلم، داعيا الى التخلص من التأثير الأجنبي عليها، محذرا من خطأ تسميتها بالأصوليات مشددا في الوقت نفسه على أن المتطرفين شوهوا وجه المنجزات التي قدمتها الحضارة الإسلامية، وفيما يلي تفاصيل الحوار:
بداية ماذا عن واقع الفلسفة في جامعة الكويت هل خدمت الثقافة العامة ام ان الفلسفة اصبحت من العلوم القديمة؟
- أولا هناك بعض الأقلام والأصوات تهمش دور الفلسفة معتبرة انها بلا أهمية، لذا علينا ان نميز بين أمرين مختلفين الأول هو تدريس الفلسفة والثاني مكانة الفلسفة في المجتمع، وينبغي للجميع ادراك ان كل مجتمع وتجمع له نوع خاص من الفلسفة، لأن المعنى الحقيقي للفلسفة بوجه عام هو الرؤية للكون والإنسان والعلاقة فيما بينهما، فهي الكلام عن المبادئ والغايات والأصول التي توجه السلوكيات لتحديد وترشيد الخطوات فتجد ان الفلسفة قد تكون ضمنية اي بشكل تلقائي تظهر من خلال الاعمال والافعال ولكن وجودها غير واضح او تكون معروضة بشكل محدد وبصياغة واضحة ومكتوبة ونحن نريدها محددة لكي نصل الى الفعالية والانتاجية بأقل التكاليف الممكنة.
الفلاسفة الجدد
هل تعتقد ان اساتذة الفلسفة يسعون الى تكريس الافكار والرؤى لتفعيل العلاقة بينهم وبين المجتمع؟
- هذا يتوقف على الاهتمامات الشخصية لكل عضو من اعضاء هيئة التدريس، فالواقع ان صحيفة التخرج تجعل من وظيفة التدريس في الجامعة وظيفة محدودة، اما صحيفة التخرج في قسم الفلسفة فهي تهتم اساسا بتاريخ الفلسفلة لإعطاء ارضية اساسية للطلبة والاساتذة، لذا فإن صحيفة التخرج لا تقود الى تكوين فلاسفة.
هل تطرح آراءك الفلسفية في المقررات التي تدرسها؟
- لا يمكن ذلك لأن انتاجي الفكري خاص بي لا يدخل ضمن عملي كأستاذ لمقرر الفلسفة في الجامعة.
فكر جديد
ما الرسالة التي تود ايصالها من خلال طرحك الفلسفي؟
اعتبر نفسي احمل صفات ثلاث، اولها صفة المدرس وثانيها المؤرخ وثالثها المحاولة لإنتاج فلسفة جديدة، اما المدرس فأنا افتخر بعملي واعتبر نفسي مدرسا مثل مدرسي رياض الاطفال او الابتدائية حيث تجمعنا اهداف وغايات مشتركة هي توصيل المادة التعليمية.
أما صفة 'المؤرخ' فهي الاخذ بميادين معينة من تاريخ الفكر السابق او القريب نسبيا لوضعها اما القراء بطريقة منهجية هدفها البحث العلمي وليس من الضروري ان تكون كل كتب التاريخ التي يتبعها الشخص المؤرخ نفسه صالحة للتدريس بل ان كتب التدريب مستمدة من كتب التاريخ.
لكن الاهم من كل ذلك رسالتي الفكرية الهادفة الى بلورة رؤية فلسفية جديدة خاصة بالثقافة العربية نابعة من مواقفنا وتصوراتنا ومشاكلنا الحالية لتقدم بطريقة حرفية تفصيلية، كما اننا مطالبون بالتعريف بإنجازات الحضارة الاسلامية التي شوهتها الحركات المتطرفة في زمن طغت وغلبت فيه العلوم التطبيقية وتحولت اغلب العلوم الانسانية الى علوم حية، هل تؤيد ان تكون الفلسفة تطبيقية؟ وهل توجد فلسفة ذات عمل جماعي؟
لا احد ينكر ان هذا العصر هو عصر التطبيقات بل ان التكنولوجيا اصبحت اهم من معظم العلوم ومن يعمل فيها يكسب اموالا اكثر ممن يعمل في البحوث العلمية البحتة، لكن لا يمكن ان تقوم التكنولوجيا من دون 'الابحاث النظرية' التي تعتبر اساسا ما يتولد عنها من تطبيقات، لذا فإن الحضارة الغربية بكل ما انتجت تعود الى افكار بالاساس نظرية، قدمها فلاسفة منذ عصر النهضة الاوروبية.
اما بالنسبة للعمل الجماعي فقد قامت مجموعة من الناس بتكوين فلسفة جماعية مثل جماعة اخوان الصفا والمدرسة الرواقية اليونانية وجماعة الايديولوجيين السوفييت الذين قاموا في ايام الاتحاد السوفيتي السابق.
السلطة الدينية
يلاحظ ان السلطة الدينية تحارب الفلسفة وترفض تدريسها فما سبب ذلك برأيك؟
هذا صحيح فالسلطة الدينية ترفض الفلسفة باعتبارها منافسة لها لذا فإن معظم الفلاسفة المسلمين والذين اطلق عليهم ب'المتفلسفين' هم برأيي ليسوا فلاسفة بالمعنى الدقيق، والمشكلة الاساسية في السلطة المعنوية التي اصبحت حكرا على البعض وهي يمكن ان تكون موزعة على جهات عدة وفي ذلك 'فليتنافس المتنافسون اما بالنسبة لما يدرس في البلاد الاسلامية فهو منقول من منظور غربي بحت والسلطة الدينية تتخوف من الفلاسفة لانهم يفكرون.
اذا الحل الذي تطرحه لانقاذ ثقافتنا او لتكوين فلسفتنا الخاصة بنا؟
انا افضل تسمية ثقافتنا الجديدة باسم 'الاصوليات' لكي نبتعد عن الاسم 'الفرنجي' وتتخلص من التأثير الاجنبي عليها، لان الفلسفة هي علم الاصول كما قال العلماء، وبالنظر الى الحضارة الاسلامية نجد انهما قد انتجت اتجاهات مهمة في ميادين العلم ولكن يرجع اساسها واصلها الى التوحيد، ولابد لنا ايضا من اعادة تكوين علم اصول الدين ليحمل اساسا نظرة اسلامية مستقبلية فعلم اصول الدين القديم اصبح تاريخيا.
قدمت مشروعا فلسفيا حول تعريف الحرية كمدخل لفلسفتك.. الى اين وصل المشروع؟
بعد صدور كتابي 'تأسيس وطبيعة الحرية' ثم كتاب نظرية الفعل تفرغت خلال السنوات الاربع الماضية لانتاج مجموعة تحت عنوان انشاء فلسفة جديدة تتضمن رؤية حول غايات الانسان والتكوين الاساسي للانسانية والظواهر الكبرى الى جانب اصول الاخلاق.
لذا تلاحظ أني اقول بتفعيل العنوان الجانبي الى مفاهيم هدتني في النهاية الى ان الانسان هو في المحل الاول كائن فاعل يتطلع الى الغايات والمبادئ والخير والشر، والبدء بفكرة الحرية كمدخل للمجموعة باعتبارها القدرة على الاختيار وايجاد البدائل بدونه الذهاب مباشرة الى النتائج واخيرا قمت من خلال الكتب السابقة بتأسيس آلية كلام مقبل عن الحرية السياسية وهي وضع الاسس الوجودية والطبيعية والحيوية.

حرية غائبة
اشار د. قرني الى ان الحرية هي القدرة على اختيار بدائل، وهذا يناقض الدعوات الدينية فالأخذ بدين دون آخر يجعل من الصعب الاعتراف بوجود الحرية الدينية، مفضلا تسميتها ب'الحرية الفكرية'.

أين الحقيقة؟!
قال قرني هناك نقطة أثيرت بشكل واسع في الفكر الانساني وهي 'الحقيقة' موضحا انه لا يمكن لاي حياة انسانية ان تنتظم الا اذا وجدت قضايا نستطيع ان نسميها 'الحقيقة'.

إضاءة
ولد د. قرني في 15 يناير 1940 وتم تعيينه في جامعة الكويت عام 1987 وهو حاصل على الدكتوراه من جامعة السوربون (باريس - فرنسا) عن اطروحته بعنوان 'الدوكسا في نظرية المعرفة الافلاطونية' حاصل على جائزة الدولة التشجيعية في الفلسفة عام 1975 الى جانب وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولى عام 1976 بالاضافة الى عضويته بالجمعية الفلسفية المصرية والجمعية التاريخية المصرية وجمعية محبي الفنون الجميلة بالقاهرة.
من مؤلفاته 'الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون' والفكر الجديد في ازمة الفكر العربي المعاصر ومستقبل الفلسفة في مصر وفي الفكر المصري الحديث الى جانب فعل الابداع الفني مع نجيب محفوظ وتأسيس وطبيعة الحرية وفكرة الخير ونظرية الشر.