زلمان شابيرا - هآرتس
في مؤتمر مدريد للسلام الذي انعقد في كانون الثاني ndash; يناير قبل أكثر من عقد ونصف، نهض مسؤولون حكوميون عرب رفيعو المستوى الواحد بعد الآخر، تعلو وجوههم الدهشة والاستغراب ولسان حالهم يقول: ما الذي دها إسرائيل؟ فلأول مرة في تاريخ النزاع يعرض العالم العربي برمته السلام، وليس مصر والأردن فقط، لكن اسرائيل تعير لهذا العرض آذاناً صماء.
هل تغير شيء ما في العالم العربي؟ هل تغير العرب حقيقة؟ لا أحد يملك جوابا شافياً على هذا السؤال. لكننا نستطيع الافتراض منطقياً أننا ما نزال بالنسبة للعرب زرعا غريبا في المنطقة. إنهم ليسوا العرب هم الذين تغيروا وإنما هي الظروف.
لقد نجم عدو جديد في مواجهة النخبة العربية. وهو مخيف وخطر أكثر من إسرائيل. فالإسلام الراديكالي لا يهدد البقاء العام للنخبة، وإنما هو يتهدد استمرارها الفسيولوجي أيضاً. وفي حين يبدو ظاهرياً أن المؤسسة العسكرية المدنية ما زالت تسيطر بدعم من النخبة المفكرة، فإن الجماهير تبدو مرتبطة فعلياً بالإسلام الراديكالي.
تحذر إشارات خارجية من أن الشرق الأوسط يواجه حاليا تغيراً جيوسياسيا هائلاً. حيث تم زرع بذرة الإسلام الراديكالي أصلا في رحم المنطقة. ويبدو الجنين آخذاً في النمو تدريجيا ولا أحد يعرف موعد الميلاد. ذلك لأن قوانين الطبيعة لا تنطبق على الشرق الأوسط. لكن تلك الولادة عندما تحدث، فإنها ستجلب في ركابها تغيرا جوهريا.
إن كل مجتمع يحتاج إلى روح حتى يعيش بشكل لائق. وبمساعدة هذه الروح الجماعية، فان النخبة تحافظ على سيطرتها على المجتمع. أما الروح القومية فقد كانت قصيرة العمر، بل وكانت تقريبا حدثاً عابراً في تاريخ العالم العربي وباتت تختفي تدريجيا. وها هي روح الإسلام تعود ثانية إلى السلطة. وعندما تتغير الأرواح، تتغير معها النخب. وعند انتهاء حقبة الحكام العلمانيين من العرب، فان انتصار الإسلام يصبح أمراً لا يمكن تجنبه، سواء من خلال انتخابات أو من خلال ثورة على النسق الإيراني.
ذلك هو السبب وراء الصرخة اليائسة التي أطلقتها النخبة العربية من أجل السلام. وهو السبب أيضاً وراء المبادرة الأخيرة والرغبة التي أبدتها جامعة الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل. إن النخبة العربية مقتنعة -وذلك كان انطباعي منذ المباحثات في مدريد- بأن نشاطات قوات الدفاع الإسرائيلية في المناطق المحتلة تتسبب في إثارة القلاقل بين جماهيرها. ولا يغيب عن البال أن الفضائيات العربية التي تبث من كل زاوية في المناطق الفلسطينية تبث صور ضحايا الانتفاضة إلى كل بيت في العالم العربي. والقلاقل تمثل أرضية خصبة لنمو الإسلام الراديكالي.
طبقا لما تراه النخبة العربية، فإن إيران باتت تستغل تلك القلاقل لبسط نفوذها في المنطقة. ولا يرجح سوى أن يعمل وضع حد للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني في الشرق على لجم تقدم ذلك البلد الشيعي ومنعه من أن يصبح قوة إقليمية كبرى.
إن قوة دولة إسرائيل في الشرق الأوسط محدودة. وهي لا تستطيع وقف هيمنة الإسلام. لكنها يجب ان تعد العدة لذلك. وتتطلب مصلحة إسرائيل الوطنية ترسيخ حدود البلد والحصول على اعتراف العالم الإسلامي بها قبل أن يغمر طوفان العاصفة الإسلامية المنطقة. ولعل الحدود الشرعية فقط هي التي سترسي دعائم أساسٍ عصيٍّ على الاختراق من طرف الإسلام الراديكالي.
لعل وضع حدود مشروعة يملي حاجة إسرائيل إلى وجود شريك. وفي الشمال، فإن الشريك هو سورية، ويجب أن تجرى المفاوضات مع ذلك البلد. أما العائق على طريق إجراء مفاوضات مع سورية فهو ليس إدارة بوش، وإنما هو حكومة أولميرت الضعيفة التي تناضل لضمان استمرارها سياسيا. وعندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين فان الحالة تصبح اكثر تعقيدا. ذلك أن شريك إسرائيل الوحيد، ممثل الوطنية الفلسطينية، فتح، هو الآن خارج السلطة. ولا تشكل حماس، التي تمثل الإسلام الراديكالي شريكاً مناسباً لرسم الحدود النهائية نظرا لرفضها الاعتراف بإسرائيل.
لعل الحل يكمن في إجراء مفاوضات مع جامعة الدول العربية. وهي هيئة شرعية بمثابة دولة عليا. وستقدم البلدان العربية المساعدة بغية التوصل إلى ترتيبات دبلوماسية وبالتالي صنع سلام في الشرق الأوسط، وذلك لأن النخبة العربية تعتقد بأن إنهاء النزاع سيسهم في لجم الإسلام الراديكالي وضبط النفوذ الإيراني في المنطقة. ولعل مما تجدر الإشارة إليه أن إسرائيل لم تمر طوال عمرها البالغ تسعاً وخمسين سنة بجو دبلوماسي محبذ لإنهاء النزاع مثلما هو الحال راهناً. إننا نقف أمام الفرصة التاريخية الأخيرة قبل أن تكتسح العاصفة الإسلامية آخر صروح التحديث في الشرق الأوسط.













التعليقات