أنيس منصور

لم أر أحدا يغني من البلكونة.. لا رأيت حفلات ولا أفلاما.. لعلي رأيت أن المطرب أو أن الغناء يجب أن يكون عاليا.. فوق مستوى الجمهور. هل هذا هو المعنى. لا أعرف، ولكن وأنا طفل في كل مرة أطلب من أحد الفلاحين أن يغني فإنني أسارع إلى البلكونة لكي أسمعه من فوق.

ولم أحاول ولا مرة أن أترك أحدا يغني من فوق وأنا استمع إليه من تحت. وفي مرة جاء دوري في الغناء. وجلست على مقعد.. ثم وقفت فوقه.. وغنيت: أنا هويت وانتهيت.. ولا أعرف من صاحب الصوت. وإنما عرفت الصوت وسهولة الأداء. وغنيت. ولا بد أن صوتي كان نحيلا.. كنت (أسرسع).. ولا يهم. فأنا أريد أن أغني وغنيت.. وبعد أن فرغت من الأغنية تقدم أبي لطيفا رقيقا ضاحكا وقال: الله.. الله!

وأحببت هذا اللطف وهذا التشجيع من أبي. ولو كانت أمي في البيت في تلك اللحظة ما جرؤت. فهي لا تريدني أن انشغل عن القراءة والدراسة بأي شيء..

ولكن والدي اقترب واحتضنني وقبلني وقال: ما شاء الله.. صوتك جميل وأذنك الموسيقية أكثر إحساسا.

ولا أدعي أنني فهمت هذه المعاني.. ولكن أسعدني أن يكون أبي راضيا أو سعيدا..

وظلت هذه الأغنية عميقة مستقرة في أذني طول حياتي. فكنت إذا أردت أن امتحن صوتا جديدا.. طلبت إليه أن يغني: أنا هويت..

وهذه الأغنية من أكثر الأغنيات القديمة حظا. فقد غناها محمد عبد الوهاب والسنباطي وسعاد محمد وإسماعيل شبانة وكل الفرق الموسيقية.. وغناها الفنان التشكيلي حسين بيكار. وغنيتها أيضا في المدرج 78 بكلية الآداب جامعة القاهرة وكان المستمع زميلا جميل الصوت هو جمال أبو رية وكان كاتبا لقصص الأطفال..

وغنيتها لعبد الحليم حافظ والموسيقار كمال الطويل والشاعر مأمون الشناوي، وأجازوني مطربا. وتشجعوا وذهبوا الى محمد عبد الوهاب ليسمعني فإذا استراح الى صوتي وأدائي تركت الأدب والصحافة وتفرغت للغناء!