عبدالرحمن الراشد

لو زعمت لكم بأن هناك منظمة حكومية تحقق نجاحا مستمرا على مستوى العالم العربي، وتكسب أرباحا، وأنها رغم مزاحمة القطاع الخاص صارت المنظمة التاسعة في العالم في مجالها، حتما كذبتموني. القصة السعيدة صحيحة والأكثر غرابة في أنها مؤسسة تتبع الجامعة العربية. المؤسسة العربية للاتصالات الفضائية (التي نعرفها باسم عربسات) هي التي تمكن أكثر من مائة مليون عربي من مشاهدة أكثر من مائتي محطة عربية.

عربسات لم تدفع لي دولارا واحدا مقابل هذا laquo;الإعلانraquo;، بل لم تدفع لي حتى ثمن تذكرة السفر للمشاركة في مؤتمرها السنوي الذي عقدته في شرم الشيخ قبل أسبوعين.

فما السر في وجود هذه المنظمة العربية ذات المواصفات الثلاث: الناجحة والرابحة والمستمرة؟

معظم مؤسسات العمل العربي الجماعي فاشلة أو مفلسة أو معطلة. وأكثرها فشلت ليس لذنب منها بل لأنها ضحية النظام الذي بنيت عليه، وأحيانا ضحية الخلاف السياسي الذي امرض نشاطاتنا العربية الجماعية، وعطل أهم مشروع بين يدي القادة العرب واعني به السوق العربية المشتركة.

حتى أن العمل الجماعي صار عاهة وهو الذي يفترض أن يكون ميزة. من خلاله حاول العرب بلا فائدة فعل كل شيء من الوحدة السياسية إلى شن الحروب العسكرية. جربوا زراعة قصب السكر وكاد أن يفلس المشروع في مرحلة سابقة. حاولوا تنظيم مقاطعة جماعية لإسرائيل وفشلت، حيث قوطعت شركات بريئة وفتحت الحدود لشركات متورطة.

ربما باستثناء مجال الرياضة فشلت العديد من المؤسسات العربية الجماعية غير الحكومية أيضا، في منظومات حقوق الإنسان والطب والمحاماة.

لهذا أظن انه يحق لعربسات أن تحتفل بنجاحها. السبب أنها لم تدخل قط السياسة في عملها رغم أنها تبيع الآراء والأخبار مع الأفلام والطرب، لم تمنع قنوات تلفزيونية بناء على مواقف أو ضد أخرى. ورغم غلاء كل قمر فضائي فإنها لم تشحذ عند أبواب وزارات المالية العربية لشراء أقمارها. فأفكار العمل الجماعي دائما رائعة لكن لا احد يريد أن يدفع الثمن ولو كان من اجل إنقاذ حياة. وفي هذه المناسبة اروي لكم لماذا استقال سفير الجامعة العربية في العراق. فالرجل وافق أن يعرض حياته لخطر الموت وسافر إلى هناك ممثلا للجامعة لكنه اكتشف في بغداد أن السفارة لا تملك حتى جهاز فاكس بمائة دولار لان الدول العربية لم تدفع التزاماتها!

أما عربسات لم تجد إشكالا في إقناع المستأجرين من أهل المحطات الفضائية بدفع أجورهم لها لأنهم راضون بخدمتها وأسعارها وبمواكبتها التقنية الحديثة والتزامها بوعودها، حتى عندما فقدت احد أقمارها الذي تاه في الفضاء عوضته بآخر وأكملت طريقها. ونظرتها للمستقبل طموحة، فقد عرضت علينا في مؤتمرها الأخير خدماتها المقبلة في عام 2012 لكن قدرتنا على التخطيط للشراء لم تجار عربسات.

لهذا أقترح على مسؤولي الجامعة العربية ألا يضعوا يدهم على هذه المنظمة الناجحة لأنهم سيقتلونها بل عليهم أن يدرسوها. سيجدون في تجربتها المعادلة المطلوبة لإنجاح منظمات العمل العربي المشترك العاجزة. فنظام عربسات حر وتجاري، ويحث على التطور، وهذا ما تحتاج أن تجربه المنظمات الأخرى.


[email protected]