سمير عطا الله
عندما التقيت الدكتور إياد علاوي في البحرين قبل أيام، قلت له، ما أقسى أن يحمل المرء أخباراً قاسية، لكن ليلى عسيران على أعتاب الغياب. أما لماذا أكتب أن هذا ما أخبرني به إياد علاوي، فمن أجل أن أقول، إن ليلى عسيران ابنة خالته. وإنها من تلك العائلات اللبنانية، ذات عصر، التي كان لها فروع في كل بلد عربي، وأما ليلى فإن الذين يحزنون لها، ليسوا أقرباءها وفروع العائلة، بل زملاؤها ورفاقها في مصر، ومفتقدو شعلتها القومية في فلسطين، وقراؤها ومحبوها في كل مدينة أو قرية عربية. تابعت ليلى عسيران كاتبة صادقة عذبة، ومناضلة بلا حساب. بلا أي حساب، لأي أحد أو لأي شيء.
كنت كلما سافرت إلى عاصمة عربية، أذهب محملا بالسلامات من ليلى وأمين إلى نصف أهل المدينة. رسامون وكتّاب وفنانون وشعراء ومقرئون وسياسيون ومناضلون وبسطاء لا يحملون لقبا ولا كنية ولا حتى سيرة قصيرة. وكانت كل قضية في الأرض قضية ليلى. وفي مرات كثيرة كاد يصل بها صدقها إلى الموت أو الانتحار أو إلى السجن. وكان أمين الحافظ يرتعد خوفا وحبا، لكن غضبه لا يزيد مرة على طرح المسألة أمام صديق، ثم يقول مسلّما بما هي رفيقة العمر laquo;عجبك؟ هيك بتريد؟raquo;.
ولم يكن لليلى عسيران علاج، على كثرة ما تناولت من أدوية ودخلت من مستشفيات، سوى العلاج بالكتابة. وحولت الكتابة من صناعة إلى مفكرة طفولية متدفقة، تدون فيها بشغف وحرارة، سيرة الأب والعلاقة مع الأم والحياة على جبهة الفداء، وحزن الآخرين، وأحزان الأمة. وكان أمين الحافظ يخاف عليها ويضطرب على تهاوي قواها، لكنه يظل كما بدأ: القارئ الأول لليلى عسيران، التي استبقى لها اسمها الأدبي، ورفض أن يلحقه برئاسة الوزراء.
قبل أن ألتقي الدكتور إياد علاوي بيومين، تناولت الغداء الأسبوعي مع الرئيس أمين الحافظ. وأصبحت أعرف من علامات وجهه إن كان من الأفضل أن أسأله عن ليلى أم أفضل ألا اسمع ما يؤسي ولا يؤاسي. ولم أسأل. وتظاهرت بأننا انشغلنا في مواضيع كثيرة، وخصوصا في موضوعه المفضل، أحمد شوقي، وما يحفظ منه وعنه. وتحدثنا في قضية لبنان، وتكدرنا مثل جميع الناس. وشعر أننا نعدد المواضيع هربا من موضوع حياته، فقال laquo;هل أنا على خطأ إذا اعتقدت أنك تتجنب السؤال عن ليلىraquo;. ولم أجب. وقام يمضي. ثم قال: laquo;معك حق. الجواب سوف يكون مؤلماraquo;.











التعليقات