مشعل السديري

عندما شُنق صدام، ذهب ضحيته عدّة أشخاص وشنقوا أنفسهم، إما حزناً عليه أو تقليداً له، غير أن أحد الإخوة من أهل السودان ذهب ضحيّة مجانيّة لم يتوقعها هو نفسه، وذلك الشخص كان مشهوراً بخفّة دمه وعقله أيضاً، فأراد أن يمازح أهله وأصدقاءه، فقرر أن يمثل عملية انتحار زائفة، فربط حبلا حول خصره ليدعم وزنه الثقيل، فيما وضع حبلا آخر حول عنقه ليبدو الأمر أمام الجميع وكأنه يتدلّى من السقف، فانحل الحبل الذي حول الخصر، وهوى المسكين وخنقه الحبل الذي حول عنقه ومات في الحال.

لا أظن أنني شخصياً قد أُقدم على الانتحار يوماً ما، حتى والله (لو انطبقت السماء على الأرض)، ليس لأنني متديّن، لا أبداً على الإطلاق، لكن لأنني لا أملك الشجاعة الكافية لأحظى بهذا الشرف، وفوق ذلك أن الله وهبني موهبة حبي للحياة إلى أقصى الحدود، وشغفي بالتمتع بملذاتها إلى درجة لا تصدق، وبمجرد تذكري للموت الذي سوف يأتي لا محالة ـ مع الأسف ـ تدمع عيناي، ويخفق قلبي، (وتتصافق) ركبتاي.

والغريب أن شعباً راقياً وشجاعاً كاليابان، فيه نسبة انتحار أعلى من أي شعب آخر، وقد يعتقد البعض منكم أن المنتحرين قد فعلوا ذلك بسبب الفقر أو المرض أو الفشل، لا أبداً، فأغلبهم من الموسرين والأصحاء والناجحين، ولا أدري، هل أقول: (فتّش عن المرأة)؟! ـ احتمال ـ وبالنسبة للمرأة، هل أقول: فتّش عن الرجل؟! ـ احتمالان ـ وقد أعذر رجلا ينتحر من أجل امرأة، لكنني لا أتصور أن تنتحر امرأة من أجل رجل، لأنها لو فكرت قليلا، فسوف تجد بدلا من الثور ألف ثور آخر .

ومن يرغب منكم في ممارسة تلك التجربة (الرومانسية) فإنني على أتم الاستعداد لكي أدلّه على عنوان فندق في هولندا، يقدم أروع الخدمات للمنتحرين، وأسعاره معقولة ومتهاودة، وفي المواسم يعمل (دسكاونت)، ويقبل الدفع بالكاش أو (بالفيزا كارد).. ورغم أن هذا الفندق حديث الافتتاح، إلا أن هناك عشرات النزلاء تقاطروا عليه، واستفادوا من خدماته المريحة، حيث ان المشرفين الاختصاصين فيه قدموا ما لا يقل عن 16 طريقة ناجحة للانتحار، وكلها تقريباً مفعمة بالحيوية والإبداع والسلاسة.. يعني باختصار: انه يقدم خدمة انتحار حضارية، انتحار (خمسة نجوم)، وليس انتحاراً متخلفاً همجياً كالتمنطق بحزام ناسف، أو قيادة سيارة مفخخة، أو تناول مبيد الصراصير.

وما دمنا نتحدث في هذا المجال المرعب، فقد تناقلت وسائل الإعلام أن هناك رجلا أميركياً، من بلده (سان ماتيو)، حاول إنهاء حياته خمس مرات خلال يومين دون جدوى، ويقول البوليس إن الرجل أقدم في البداية على قطع رسغه، ثم أغمد سكيناً طولها 12 بوصة في بطنه، وبعد أن فشل حاول إغراق نفسه، وبعدها تناول جرعة كبيرة من (التيلينول)، ثم ربط حبل الغسيل حول عنقه في النافذة، وقفز إلى الأرض من الطابق الثاني، غير أن محاولته فشلت حيث إن الحبل قد انقطع.

وبعد تلك المحاولات الخائبة، عزم ذلك الرجل العجوز على التخلي عن تلك الفكرة الجنونية.. وقرر أن يتزوج، وفعلا تزوج، وما هي إلاّ عدة أشهر، إلاّ وكانت نهايته على يد زوجته، حيث ذبحته من الوريد إلى الوريد.

ولا أعتقد أن هناك ميتة أجمل من أن يموت الرجل على يد زوجته... ويا خوفي.


[email protected]