عبدالله بن بخيت


في كل مرة انتهي من قراءة رواية أسأل نفسي لماذا أعيد قراءة هذه الرواية عدة مرات، وبالكاد أكمل الأخرى؟ والثالثة أفتح النافذة وأرمي بها في الشارع بعد الصفحة الرابعة أو الخامسة! ما الذي يجمع بين روايات مثل: (مائة عام من العزلة)، (الطوارق)، (الجريمة والعقاب)، (حياة وأوقات مايكل كيه)، (مدام بوفاري)، (جسر على نهر دارينا)، (غابريلا)، (محبوبة)، (الدون الهادئ).

وعدد كبير من الروايات الأخرى لا يسعني ذكرها الآن، ما الذي يدفع بهذه الرواية أو تلك لكي تتحول إلى واحدة من كلاسيكيات الفن، ولماذا لا يوجد رواية عربية ترقى إلى مرتبة الكلاسيكية؟

على الرغم من أني أحب نجيب محفوظ وأكثر من قراءة أعماله وأعيد قراءتها في أوقات مختلفة، إلا أني عجزت أن أصنف أياً من أعماله ضمن الأعمال الكلاسيكية. يعد نجيب محفوظ كاتب الرواية العربي الأول، ليس لأنه حصل على جائزة نوبل ولكن لأنه أسس فن الرواية العربي. الذي يقرأ الأعمال الروائية التي سبقت أعمال نجيب محفوظ سيكتشف شيئاً مهماً وخاصة بالنسبة لنا كسعوديين. سيلاحظ التداخل بين المذكرات الشخصية للمؤلف وبين العمل الروائي. البطل يتحدث بصيغة (الأنا). من السهل أيضاً كشف التشابه بين حياة المؤلف وبين حياة بطل النص. إذا قرأنا أكثر من تجربة في أكثر من بلد سنلاحظ أن الفن الروائي انتقل من الحكاية إلى روايات المذكرات الشخصية إلى أن يصل إلى الرواية ثم الرواية الفلسفية (!).

يمكن أن نقول دون تهور إن المرحلة التي يقف فيها فن كتابة الرواية في المملكة هي مرحلة كتابة المذكرات. أي الإحساس أن الرواية والمذكرات شيء واحد. وأذكر أن هذا إحساس ثقافي يشمل القارئ والكاتب في الوقت نفسه. يبدو أنها مرحلة معرفية تمر بها الحركة الثقافية في المجتمع وليست نابعة من مبادرات فردية يفرضها بعض الكتاب. وفي هذه المرحلة يظهر النقد الذي يتناول الرواية على أنها وثيقة اجتماعية تؤرخ لفترة من حياة المجتمع أو أن تعبر عن توجه فكري أو سياسي. وهذا ظاهر بوضوح في المشهد الثقافي السعودي في وقتنا الحاضر. ميزة نجيب محفوظ التاريخية أنه أخرج الرواية المصرية من هذا المأزق. فصرنا نقرأ بعد نجيب محفوظ أعمالاً مثل الزيني بركات وعمارة يعقوبيان ووجع البعاد. أعمال لا علاقة لها بالمذكرات الشخصية لمؤلفيها.

في الثمانينيات من القرن الماضي أقيمت احتفالات لا حصر لها بأعمال عبدالرحمن منيف. مع أن أي قارئ عادي يستطيع أن يلاحظ التشابه التاريخي بين أعمال هذا الكاتب وبين جزء معين من تاريخ المنطقة. ومن السهل أيضاً أن يلاحظ أن هذه الأعمال في مجملها ليست سوى تشويه هجائي لجزء من التاريخ السياسي العربي. لكن الفترة لم تكن مناسبة للتشويش على الحفلة حتى انتقلت أعمال منيف من الوسط الثقافي العربي الذي يربط بين العمل الروائي والمذكرات الشخصية والتأريخ الاجتماعي والسياسي انتقلت بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية إلى محيط ثقافي آخر. فقرأت بعيون مدربة على قراءة الرواية وفي الوقت نفسه لا علاقة لها بالتصارع السياسي في المنطقة العربية.

أكدت مراجعة الترجمة التي نشرت في النيويورك تايمز وجهة نظري في أعمال منيف ولكن الشيء الأهم أنها زودتني بمصطلح كنت في حاجة إليه عند قراءة الأعمال الروائية. استخدم المراجع كلمة السخرية قائلاً: إن أعمال منيف تفتقر إلى السخرية. فراجعت الروايات التي في ذاكرتي فوجدت أن تصنيف وتبويب الروايات قائم على هذه الكلمة. لكي ترقى الرواية إلى مرتبة الكلاسيكية يجب أن تكون بحثاً في الوجود لا بحثاً في المجتمع. كاتب الرواية ليس كاتباً سياسياً أو اجتماعياً وليس مؤرخاً، إنه باحث في الوجود كما قال مرة الكاتب التشيكي ميلان كونديرا. باحثاً في التناقضات الوجودية التي يعيشها الإنسان لا باحثاً في التناقضات الاجتماعية أو السياسية. كلما اقتربت الرواية من سؤال الفلسفة الأساسي استحقت تصنيف كلاسيكي.



العنوان الأصلي للمقال : rsquo;rsquo;قراءةrsquo;rsquo;