خيري منصور
حملت الجزائر اسم بلد المليون شهيد، وكان هذا هو مهر حريتها بعد عقود طويلة من الاحتلال الفرنسي. وثمة من يطلقون على موريتانيا اسم بلد المليون شاعر، لكثرة من يقرضون الشعر بالفطرة من أبنائها.
والعراق الذي خلف الاحتلال لديه مليون يتيم، جدير بتسمية لا تسر الأشقاء لكنها تسعد الاعداء وهي بلد المليون يتيم.
هكذا يصبح الوطن العربي مليارديراً بشهدائه وأرامله وأيتامه وشعرائه، وهو الوطن الذي كان في ماضي الأيام يتداول الناس فيه رقم ألف باعتباره رقماً فلكياً، ولم يخسر هذا الوطن في الحروب العديدة التي انتصر فيها في الماضي قدر ما يخسر الآن من أبنائه بلا أي نصر، إلا ذلك النصر السري المحروم من قرع الطبول والذي تحققه شعوب محتلة تقاوم بما تيسر لها من الأدوات، وما تعسر على غزاتها من الذرائع القابلة للتصديق.
إن ما تطالعنا به الميديا من احصاءات لخسائر العراق خلال أعوام الحصار والاحتلال والحرب الاهلية التي سميت بغير اسمها، يطرح سؤالاً مباشراً ومدبباً كالسهم نتهرب جميعاً من الاجابة عنه، لأنه في حقيقته، مساءلة اخلاقية ووطنية، وتذكير لكل العرب بأن خسائر العراق هي خسائر قومية بامتياز، وأن الثيران الملونة لن تنجو بعد ذبح الثور الأبيض.
لكن زمن الاعتبار بالأمثولات والدروس ولى، فالذاكرة الآن مصابة بزهايمر سياسي أصاب الناس في سن مبكرة، ولم ينتظر أرذل العمر.
لقد كان العراق ذات يوم يحصي اشجار نخيله بالملايين، وثروته الطائلة بالمليارات، وعدد شعرائه ومثقفيه وفنانيه بالآلاف، لكنه الآن يحصي أيتامه بالملايين وأرامله بمئات الألوف.
ثمانية ملايين مهاجر عراقي في شتى أصقاع هذا الكوكب، وثمة من يتأهبون للحاق بهم إذا استمرت الفوضى التي تسميها امريكا خلاقة في تدمير البلاد والعباد.
ولأننا لم نتعلم بعد كيف نحصي الخسائر الأخرى التي تفلت من الحاسوب، وهي نفسية وتربوية ومستقبلية، فإن المعلن من خسائر العراق ليس سوى الجزء الناتئ من جبل الجليد الغاطس في المحيط.
فالشعب الذي عانى على امتداد تاريخه المعاصر من أنظمة حكم ومن حصار ومن مختلف محاصيل الكبت، دفع ثمن جرائم لم يقترفها، ولا نتصور أن هناك إنساناً واحداً في هذا العالم يجرؤ على التحديق في عيون مليون يتيم وجدوا أنفسهم في عراء التاريخ، ولا يدرون أي مستقبل ينتظرهم.
وقد لا يحتاج العراقيون بعد كل ما تجرعوا من المرارات والخذلان وهجر ذوي القربى إلى من يزايد على آلامهم، بحيث يفرط في توصيف مشهد أصبح ساطعاً ومرئياً من كل الجهات. إنهم بحاجة إلى نطاق قومي يتحمل أعباء المسؤولية في اعادة النبض إلى عراق تلقى من الطعنات ما يكفي للاجهاز على مارد.
والدراما لم تصل الختام بعد، وقد يكون القادم من السيناريوهات أسوأ بأضعاف مما مضى، أو مما يعرض الآن على مرأى من العالم كله. وعلى كل المحتفلين في هذا العالم بيوم الطفل، والذين يعقدون المؤتمرات والندوات حول ما يهدد الطفولة من انتهاك، أن يبدأوا من أول السطر هذا، وهو المليون يتيم الذين تتشكل من مجموعهم واحدة من أكثر مظاهرات التاريخ احراجاً للبالغين.












التعليقات