فيكتور في مواجهة فيكتور

تقرير خاص للإيكونوميست

عادت الخيام والأعلام إلى ساحة الاستقلال، وعاودت صور الجموع الظهور على الشاشات العملاقة لتشد من أزرهم. ومع أن هذه التكتيكات مستوحاة من الثورة البرتقالية عام 2004، إلا أن روح تلك الفترة مفقودة، ويناضل المتحدثون لتحفيز الجموع -بعضهم ثمل فيما يبدو الكثيرون وكأنهم تلقوا أموالا نظير حضورهم. ويبدو أن الجو الكرنفالي الذي كان يسم التجمع الاحتجاجي بالقرب من quot;الراداquot; البرلمان الاوكراني في عام 2004 قد استبدل بواحد شاحب.

كان ما أفضى إلى هذه المحاكاة الرديئة هو قرار فكتور يوشنكو الأخير، وهو الرجل الذي أوصلته الثورة الى سدة الرئاسة في اوكرانيا، حل البرلمان والدعوة إلى إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في السابع والعشرين من أيار - مايو المقبل. وتقول الأغلبية في البرلمان، شأنها شأن الحكومة أن مرسوم الرئيس غير دستوري. ويتزعم البرلمان والحكومة فيكتور يانوكوفيتش الذي كان قد هزم في عام 2004، والذي أصبح رئيسا للوزراء ثانية في السنة الماضية.

يقول فريق يوشينكو، استنادا لمستشاره أوليغ رايباتشوك، إن السيد يانوكوفيتش نفسه quot;تجاهل كافة الضوابط الدستوريةquot; منذ عودته لرئاسة الوزراء، محاولا الانقضاض على سلطة السيد يوشنكو مستخدما الابتزاز والرِّشى لحشد أغلبية كبيرة تكفي لإضعاف الرئيس بكل ما في الكلمة من معنى. وفي الغضون، يحاجج مؤيدو يانوكوفيتش بأن الأعضاء الذين حركوهم هم (أثرياء جدا في الأصل ولا يحتاجون إلى الرشى). وترفض الحكومة تنظيم الاقتراع، كما يرفض حزب السيد يانوكوفيتش وحليفاه الشيوعي والاشتراكي المشاركة فيه الى ان تقول محكمة أوكرانيا الدستورية كلمتها الفصل في قانونية مرسوم الرئيس الذي حل بموجبه البرلمان.

وكان بعض قضاة المحكمة قد اشتكوا في وقت سابق من تهديدات وجهت إليهم وضغوطات مورست عليهم لتأخير جلسات الاستماع. وقد استخدم السيد يانوكوفيتش مزيجاً من التهديد (تهديدات بالخيانة وتوجه الآلاف الى كييف لنصرة حشوده) ومن عرض للتسوية بغية اقناع السيد يوشنكو بالتراجع عن مرسوم حل البرلمان، لكن الرئيس لا يميل الى ذلك. وكان قد قال في أعقاب حضوره قداساً بمناسبة عيد الفصح إنه مصمم على quot;تطهير المعبد من المرائين وصرافي العملاتquot;. الى ذلك، يقول السيد رايباتشوك أن جموع يانوكوفيتش هم أفراد عصابات لا يمتثلون إلا الى لغة القوة.

وفجأة، لاح في اليوم الحادي عشر من نيسان - إبريل احتمال التوصل الى طريقة للخروج من حالة الجمود تتضمن اجراء انتخابات، ولكن ليس في أيار-مايو المقبل، ذلك أن إطالة أمد عدم الاستقرار لا تصب في صالح أساطين الأعمال التجارية الذين يقفون خلف يانوكوفيتش. وفي الاثناء، ما يزال ثمة احتمال بأن تتمخض التطورات عن نتائج أقل مدعاة للراحة، كأن تصدر المحكمة حكماً بعد الانتخابات ينزع عنها الأهلية بأثر رجعي. وثمة خطر آني أكبر يكمن في احتمال اندلاع العنف، حيث تم نشر شرطة مكافحة الشغب بين ساحة الاستقلال وبين مكان مجاور تجمع فيه مؤيدو الرئيس (مع موسيقى تصدح بألحان أعلى). وفي حال تعمقت الأزمة أكثر، فإن الدعم القوي الذي يتمتع به السيد يوشينكو في العاصمة والذي كان حاسما في عام 2004، بالاضافة الى سيطرته على معظم الوكالات الأمنية قد يكونان الأمرين الحاسمين.

من جهتهم، يرى المتفائلون أن هذه المواجهة الأوكرانية الأخيرة هي نتاج شباب وهشاشة مؤسساتها الديمقراطية، وخاصة ذلك الإصلاح الدستوري السخيف الذي تم إقراره عام 2004، وهم يأملون بأن يعمل عقد انتخابات جديدة، بالاضافة إلى إجراء بعض التعديلات الدستورية على خلق سياسات اكثر استقراراً ونظافة، وحتى ولو كان من المرجح، كما يقول يوري ياكيمنكو مستطلع آراء الناخبين من كييف أن يؤول البرلمان الجديد نهاية المطاف إلى أن يكون شبيهاً بالبرلمان الحالي. وقد يكون التغيير الوحيد هو أن يفشل الاشتراكيون الذين خانوا مؤيديهم من خلال الانضمام الى السيد يانوكوفيتش في الدخول. وسيدور الكثير من الحديث دون شك عن إعادة بعث تحالف الثورة البرتقالية بين حزب السيد يوشنكو وبوليا تايموشينكو، حليفه الثوري الذي تولى رئاسة الوزراء لمرة واحدة، والذي تجلب له كل أزمة فرصة جديدة.

إن المشكلة هي أن أوكرانيا، كائنة ما كانت ترتيباتها الدستورية، ستظل تخضع طيلة المستقبل المنظور إلى حكم ساسة فاسدين منزوعي الثقة. ويبدو أن السيد يانوكوفيتش وعصابته يعاملون كل شيء -بما في ذلك القضاة والمقاعد البرلمانية والمحتجين- على أنها سلع قابلة للبيع. وقد كانت الثورة البرتقالية بالنسبة إليهم مجرد لعبة وخدعة مدفوعة الأجر. لكن الثورويين أنفسهم نجموا من نفس نظام ما بعد الحقبة السوفياتية، وكان العديدون منهم مدفوعين بدافع الطمع والمبدأ على حد سواء، وشعروا بعد ذلك بأنهم أصبحوا مؤهلين لنيل مكافآت سياسية ومالية.

أما الأسوأ من ذلك، فهو أن هناك تحت الصراع من أجل النفوذ والأرصدة صدعاً أكثر عمقاً، والذي فشل السيد يوشنكو في تجسيره. ومع أنه استطاع استنهاض هتافات دعم نصف متحمسة خلال تجمع كييف، إلا أن يانوكوفيتش يحشد دعماً دون أدنى شك في جنوب وشرق أوكرانيا. وتعتبر الولاءات الجيوسياسية القديمة جزءاً من التفسير. وتقول إحدى المحتجين الاكثر حيوية في الساحة وهي ترتدي قبعة الجيش الأحمر وتحمل لافتة تظهر جورج بوش في زي نازي: quot;إن يوشنكو هو صنيعة بوشquot;، وتضيف، إن الأميركيين يحتاجون الى أوكرانيا لحربهم مع روسيا.

لكن ثمة خلافات أخرى بين مؤيدي السيد يانوكوفيتش والأوكرانيين الغربيين وأولئك الذين في الوسط الذي يدعمون في معارضيه في الغالب. وكان الشرق قد عانى من المجاعة الستالينية في الثلاثينيات من القرن الماضي وورث ثقافة سياسية تجمع بين توقعات أبوية ضيقة وبين روح تشاؤمية. وقد ازدرى الشرقيون السيد يوشنكو عام 2004 لأن وعوده بتشكيل حكومة من طراز جديد كانت بالنسبة إليهم مليئة بالرياء.

لم يتم الاحتفاظ بتلك النزعة التشاؤمية كلية، اذ أصبح لدى أوكرانيا الآن إعلام اكثر تحرراً ومواطنين أكثر ثقة وجرأة. حتى أن الضغينة المتفشية اليوم تعتبر دليلا على التعددية الحزبية على الأقل لدى مقارنتها مع الوضع في روسيا المجاورة. لكن الفضل يعود الى عيوب زعماء الثورة البرتقالية وشجاراتهم، الذين لم يبرهن أي منهم على أن التشاؤم القديم كان مخطئاً تماماً.