خيرالله خيرالله


أيا تكن نتيجة الأنتخابات الرئاسية الفرنسية، لا بدّ من الأعتراف بانّ صفحة طويت في تاريخ فرنسا. ذلك أن جاك شيراك الذي خلف فرنسوا ميتران والذي سيخرج من السلطة بعد أيّام، كان آخر كبار السياسيين، بل آخرالزعماء التاريخيين في فرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية. كان جاك شيراك آخر رئيس للجمهورية الفرنسية يستطيع قول كلمة لا في وجه الرئيس الأميركي، أي رئيس أميركي. من الآن فصاعداً، لن يكون رئيس فرنسا سوى مجرد رئيس لفرنسا يهتم أوّلاً وأخيراً بشؤون فرنسا. ليس ادلّ على ذلك من الغياب شبه الكامل للمواضيع ذات العلاقة بالسياسة الخارجية عن الحملة الأنتخابية للمرشّحين.
يودّع الرئيس جاك شيراك الرئاسة، لكنّه لا يغادر المجد، أقلّه من وجهة النظر العربية. من وجهة نظر العرب الحريصين على قضاياهم وعلى مستقبلهم والرافضين للمتاجرة بها لمصلحة هذا الطرف الأقليمي أو ذاك. كان هناك دائماً بعد عربي للسياسة الخارجية الفرنسية، أكان ذلك في منطقة الخليج أو في المشرق أو في المغرب العربي. لم يقدّم أي زعيم عالمي أو اوروبي للمنطقة ككلّ ما قدّمه شيراك الذي فهم الشرق الأوسط أكثر من غيره وبطريقة أعمق من غيره. لم يقدّم أحد غيره، اذا أستثنينا فرنسوا ميتران وقبله شارل ديغول، خدمات بهذا القدر للقضايا العربية بدءاً بالعراق وانتهاء بفلسطين. لم يحد جاك شيراك يوماً عن طريق الحق. لذلك أستحقّ أن يكون قائداً عربياً حقيقياً بأمتياز في وقت افتقد فيه العرب، بشكل عام، معنى القيادة ومعنى أن يكون هناك من يلعب دور الزعيم بعيداً عن اي نوع من المزايدات والشعارات الرخيصة.
كان جاك شيراك زعيماً عربياً حقيقياً عندما دافع عن لبنان وعمل من أجل المحافظة على الوطن الصغير بصفة كونه بلداً حرّاً، سيّداً، مستقلاً. فهم جاك شيراك في العمق كيف المحافظة على لبنان من أجل المحافظة على التوازنات القائمة في الشرق الأوسط. لم يتصوّر يوماً أن في الأمكان أن يكون هناك شرق أوسط من دون لبنان سيّد، حرّ، مستقل، ديموقراطي، تعددي. لذلك، دعا في مرحلة معيّنة ألى أستمرار الوجود العسكري السوري الموقت في لبنان، ما دام ذلك يخدم الأستقرار اللبناني وألأستقرار ألأقليمي ويحمي المصالح السورية التي كان شديد الحرص عليها بعيداً عن السياسات المتهورة. وللسبب ذاته، دعا ألى أنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان، والوجود العسكري الأيراني فيه، عبر ميليشيا quot;حزب اللهquot;، عندما تبين أن الوقت حان لأنهاء هذين الوجودين وذلك خدمة للعرب عموماً واللبنانيين والسوريين خصوصاً والأستقرار في الشرق الأوسط قبل ايّ شيء آخر. ولأنّ جاك شيراك كان يعرف جيّداً ما هو الشرق الأوسط وما يفترض أن يكون عليه الشرق الأوسط، في حال كان مطلوباً البحث عن الأستقرار في المنطقة وتدعيمه، لم يتردد في دعم الحق والعدالة في لبنان وفلسطين والعراق.
لم يتردد شيراك يوماً في دعم لبنان. كان لبنانياً حقيقيا، متعصّباً للبنان بمقدار تعصّبه لفرنسا،ً وليس على شاكلة أولئك اللبنانيين الذين لا يحملون من لبنان سوى الهوية، فيما أودعوا ولاءهم في مكان آخر، في المكان الذي جاء بهم ألى المناصب التي يحتلّونها.
لم يكن جاك شيراك، الرجل الحرّ جريئاً في لبنان فقط. كان جريئاً في فلسطين أيضاً. لم يتوقّف يوماً عن دعم قضية الشعب الفلسطيني وحقّه في أقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. كان واضحاً في مواقفه وحاداً في أحيان كثيرة. في بعض أسوأ الظروف التي مرّت فيها القضية الفلسطينية، زار شيراك أسرائيل وتحدّى الأحتلال في عقر داره. دخل في مواجهة مباشرة مع جنود الأحتلال الذين أحاطوا به وضيقوا عليه حركته لدى تفقده القدس الشرقية المحتلة في العام 1996، فما كان منه ألاّ أن صاح في وجههم مؤكّداً أنه ليس في حاجة ألى حمايتهم. هدد بقطع زيارته وquot;العودة ألى طائرتهquot; أذا لم تتوقف المضايقات. بقي جاك شيراك وفيّاً للفلسطينيين وقضيتهم واظهر مدى وفائه في فترة مرض الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني ياسر عرفات في العام 2005. وضع الرئيس الفرنسي كلّ امكانات بلاده من اجل أنقاذ حياة quot;ابوعمّارquot; الذي نقل ألى مستشفى في ضواحي باريس ، ألى أن تبيّن أنه لم تعد فائدة من أي علاج.
دعم جاك شيراك القضية الفلسطينية بقوّة لأنّه يعرف أن لا أستقرار في الشرق الأوسط من دون حلّ في فلسطين. لا وجود لمنطق يبرر بقاء شعب موجود على الخريطة السياسية للمنطقة خارج خريطتها الجغرافية. أنه يدرك تماماً أن فلسطين دخلت أوروبا عبر بوابة أسمها فرنسا. وتابع من هذا المنطلق السياسة التقليدية لبلاده عاملاً على تطويرها في أتجاه التوصل ألى تسوية مبنية على وجود دولتين على أرض فلسطين، أحداهما الدولة الفلسطينية المستقلة. وأذا كان فاليري جيسكار ديستان أولّ رئيس فرنسي يخرق العزلة السياسية التي كانت مضروبة من الغرب على منظمة التحرير الفلسطينية بسماحه لوزير خارجيته جان دو سوفانيارغ بأستقبال quot;أبو عمّارquot; وتناول الفطور معه في quot;قصر الصنوبرquot;، مقر أقامة السفير الفرنسي في بيروت عام 1974، فأن جاك شيراك كان أوَل من تعامل مع ياسر عرفات كرئيس دولة، وكان يستقبله في قصر الأليزيه بهذه الصفة وكأنّه يريد أبلاغ العالم أن الدولة الفلسطينية لا بدّ أن تقوم يوماً وأن لا منطق سوى منطق التسوية المبنية على حلّ الدولتين.
أظهر جاك شيراك بعد نظره وعمق فكره السياسي عندما أعترض على الحرب اتي شنّتها أدارة الرئيس بوش الأبن على العراق. كانت فرنسا شريكاً في التحالف الدولي الذي حرّر الكويت من براثن الأحتلال العراقي في فبراير- شباط من العام 1991 ، لكن الرئيس الفرنسي كان يعي تماماً معنى دخول القوات الأميركية الأراضي العراقية وأحتلال بغداد تمهيداً لأسقاط النظام العائلي- البعثي الذي أقامه صدّام حسين. كان جاك شيراك يعرف معنى أحتلال جيش غربي لعاصمة عربية والنتائج التي ستترتب على ذلك. وقف بكلّ شجاعة في مواجهة القوة العظمى الوحيدة في العالم على الرغم من معرفته المسبقة بأن ذلك سيكلّف فرنسا غالياً في اماكن كثيرة، خصوصاً في مناطق نفوذها التقليدية في أنحاء مختلفة من العالم بما في ذلك أفريقيا. في النهاية، ثبت أن جاك شيراك كان على حق... اللهم ألاّ اذا كان الهدف الأميركي أو على الأصح هدف المحافظين الجدد في واشنطن، تفتيت العراق وتغيير الهوية العربية للبلد تمهيداً لتغيير خريطة المنطقة كلّها وأيجاد توازنات ومعادلات جديدة فيها. ألى أشعار آخر، كان جاك شيراك على حق. كان بين قلة من الزعماء والمسؤولين حاولت تفادي الحرب بأي شكل من الأشكال. لم يتردد في التحذير من مخاطر المغامرة الأميركية- البريطانية في العراق. وجاءت التطورات لتؤكد أنّه كان مصيباً. عاجلاً أم آجلاً، سيتبين أن جاك شيراك على حق في سياسته اللبنانية والسورية وسياسيته الفلسطينية... وفي موقفه الحازم من البرنامج النووي الأيراني.
يبقى، فوق ذلك كلّه ما هو أهم من السياسة. يبقى أن جاك شيراك كان أنساناً. كان يحبّ ويكره مثله مثل أيّ شخص طبيعي. كا يكره خصوصاً الكذب وذوي الوجوه المتعددة والأقنعة الكثيرة. سيندم العرب كثيراً على خروجه من السلطة. سيندمون جدّاً على وفائه. أنّه من أولئك الرجال الذين يعطون للعلاقة الأنسانية معنى عبر ممارسة شيمة الوفاء أوّلاً. يا لها من عماة نادرة في أيّامنا هذه خصوصاً في مجتمع الملوك والزعماء والرؤساء!