د. محمد الرميحي
لا تعنيني كثيراً تفاصيل الاتهام للمهندس المصري بالجاسوسية، وما اذا كان مهندساً نووياً بالفعل أم هاوياً يبحث عن فرصة عمل، فذلك كله الآن في يد القضاء، ما يعنيني مناقشته كقضية عامة هو نوع الأداة التي قيل انه استخدمها، وهي بالحرف الواحد كما نشرت تقول: laquo;دس برنامج حاسب آلي على اجهزة الحاسب الخاصة بهيئة المواد النووية، يتيح للاستخبارات الإسرائيلية الاطلاع على المعلومات الخاصة بنشاط الهيئةraquo;! وفي خبر آخر تناقلته الصحف سابقاً ان رسالة تلفزيونية عن طريق التلفون النقال انتشرت في المملكة العربية السعودية قبل اسبوع تحذر من استهلاك نوع من البطيخ، بسبب تلوثه laquo;بالإيدزraquo;! وسبقتها رسالة عن تلوث الطحينة، وهو اجراء يدخل في ملف التخريب الاقتصادي، والمطلعون بشكل جزئي يعرفون اليوم أن أي بطاقة عادية من تلك التي تفتح أبواب حجر الفنادق المنتشرة تحمل في شريطها الأسود الخلفي معلومات تفصيلية عن الساكن، ليس فقط رقم بطاقته الائتمانية، بل معلومات تفصيلية عن جواز سفره وتاريخ ميلاده وعدد أولاده وبناته، وعندما تقع تلك البطاقة في أيدي غير صديقة تصبح كل تلك المعلومات متاحة، انه عصر التقنية المعلوماتية فائقة السرعة وسريعة التطور، في مثل هذا العصر ماذا تعني laquo;الجاسوسيةraquo;؟!
تحتفظ إدارة الهجرة في الولايات المتحدة وفي غيرها من الدول الكبيرة بمعلومات تفصيلية تقريباً عن أي شخص في العالم، تكون قد حصلت عليها بطرق مختلفة منها تقديم طلبات الزيارة او حتى الدخول في الحواسيب المركزية المختلفة في عدد من الدول التي تحتفظ بمعلومات عن المواطنين، ونقل تلك المعلومات بالتراضي او ربما بالقرصنة. لم يعد احد في هذا العالم يمكنه ان يمتلك معلومات يدعي انها سرية، متى ما خرجت من عقله وأصبحت مسجلة على حاسوب فهي مشاعة نظرياً، يستطيع اي جهاز أو شخص او مؤسسة مهتمة ولديها القدرة التقنية ان تحصل على تلك المعلومات في لمحة بصر.
ما نشاهده في بعض الأفلام التي نعتقد أنها من صنع الخيال، اذ يعالج أحدهم الكمبيوتر النقال فتخرج له معلومات عن شخص يبحث عنه وبتفاصيله الدقيقة مرفقة بصورة حديثة، لم تعد مجرد خيال، انها هناك بالفعل متوافرة لمن يطلبها، وأي طالب مجد اليوم يستطيع ان يتعرف على الشارع ورقم المنزل الذي يعيش فيه أي شخص يحتاج إلى معرفته، بمجرد ان يعرف رقم تلفونه، ولم يكن هناك شخص في دارفور كي يصور طائرات سودانية مموهة بعلامات الأمم المتحدة، لقد تم تصويرها عن بعد في الفضاء. هكذا اصبح العالم.
في الحقيقة ان ما نعرفه من معلومات هو جزء صغير مما تعرفه الأجهزة المختصة إذ أصبح العالم كله يدور على رقم تلفون او بصمة اصبع.
في نهاية الشهر الأول من العام الماضي بثت محطة تلفزيونية روسية شريطاً تم تصوريه بكاميرا خفية لديبلوماسي بريطاني ينقب في الأحراش، تبين حال القبض عليه ان ما التقطه هو قرص رقمي صلب يحوي معلومات استخبارية، كما قالت السلطات الروسية، الا انه في نهاية المطاف ظهر ان الديبلوماسي البريطاني كان يتعامل مع منظمات في المجتمع المدني الروسي من أجل تعظيم فرص الديمرقراطية!! ما حدا بالحكومة الروسية بعد ذلك ان تحرم الاتصال بين جماعات المجتمع المدني وقبول التمويل من الخارج، وهو أمر كان قد تقرر في بعض البلاد العربية، ودارت محاكمات واتهامات في علاقة البحوث الممولة من الخارج وlaquo;الجاسوسيةraquo; بمعناها التقليدي.
وإذا صدقت التهمة الموجهة للمهندس المصري، فإن برنامج صغير يدخل في أي جهاز كمبيوتر، سواء أكان شخصياً او تابعاً لمؤسسة او ادارة حكومية يستطيع ان ينقل كل ما يحتويه ذلك الكمبيوتر إلى مكان آخر بعيد أو قريب!
في مذبحة فرجينيا الطلابية الأخيرة التي راح ضحيتها عدد كبير من الطلاب، معظم المعلومات التي توافرت عن القاتل جاءت من كمبيوتره الشخصي. الدول على اختلافها الآن تشن تشريعات تجبر الشركات الإلكترونية الخادمة للبريد الإلكتروني، ومعظمها اميركية، ان تخزن هذا البريد بين الأفراد او المؤسسات للعودة اليه عند الحاجة، فالكمبيوتر والتلفون النقال، وكثير من وسائل الاتصال الحديثة هي بمثابة laquo;جاسوس مصاحبraquo; للشخص من المهد إلى اللحد.
بل أصبح للإنترنت مفعول مرتد، فتحصل على المعلومات الكثيرة المتوافرة بعض القوى التي تستخدمها لمصالحها، ومرة قال السيد حسن نصرالله زعيم laquo;حزب اللهraquo; في لبنان: إننا نحصل على المعلومات في تصنيع بعض الأسلحة والمتفجرات من الإنترنت! وهو قول صحيح بالنسبة إلى عدد كبير من المنظمات حول العالم. فقد دارت عجلة الأمن لتغير ما يميز الاتصالات المعولمة من تفوق غربي بحت إلى مشاركة من العالم البالي او العالم الثالث، وقد تكون المشاركة سلبية، ولكنها مشاركة. فما اريد به سيطرة تستخدم ايضاً للانعتاق.
السرعة في تطور وسائل الاتصال اصبحت معروفة للجميع اليوم، فمنذ سبعة عشر عاماً فقط عندما بدأت محطة الـ laquo;سي إن انraquo; الأميركية بثاً تلفزيونياً اصبح يعرف بالبث المعلوم وقد امتلأت اليوم فضاءات العالم بآلاف المحطات التلفزيونية المعولمة في سباق للسيطرة الثقافية والاقتصادية، وبدا وكأن هناك اعادة تركيب للرأسمالية وتوليد مصادر ربح جديدة، وأصبح الاتصال صناعة تضاهي ما لعبته صناعة الفحم او الحديد او حتى النفط في الأعوام الأخيرة، بل اصبح للعالم جهاز عصبي مركزه هناك في الغرب وتتحرك الكثير من رغباتنا على وقع شهواته.
أمام هذه التطورات الهائلة نحن أمام تصدعات في المفاهيم القديمة ومنها مفهوم (الجاسوسية) الذي لم يعد يناسب العصر ولا الذهن المعولم، فلم تعد هناك أسرار يمكن اخفاؤها او التبليغ عنها ونحن نسمع او نرى الحديث تقريباً في وقت وقوعه، وتتوقع لنا التقارير الجوية متى سوف تصل الزوابع، ونستطيع التعرف على الناس من أناملهم! بل وان بعض الأحداث السياسية والعسكرية تم التنبؤ بها قبل أن تحدث منها كما نعلم اغتيال المرحوم أنور السادات ونشوب الحرب العراقية - الإيرانية.
فماذا تعني الجاسوسية في عالم اليوم غير القول للعامة ان الدولة لها عيون مفتوحة وآذان تسمع خلف الجدران بقصد اشاعة الرهبة من laquo;الأخ الأكبرraquo;، أما المعلومة فإنها بسبب وسائل الاتصال الحديثة، متوافرة في العصر الذي يلهث خلفه الإنسان.
- آخر تحديث :














التعليقات