لوموند
يقول مرشحو الأحزاب الرئيسية في الانتخابات الرئاسية الفرنسية القليل عن السياسة الخارجية، خاصة أكثر هذه القضايا أهمية مثل العراق وفلسطين، كما يقللون أيضاً من ذكر الشؤون الأوروبية. إن السياسات الخارجية ربما لا تُربِح الانتخابات، وإنما يمكنها أن تتسبب بخسارتها.
بيرنارد كاسين
بالنسبة لوزير الخارجية الفرنسية المنصرف هيوبرت فيدرين، لا تعتبر السياسة الخارجية ترفاً وإنما ضرورة، والتي تحظى بأهمية بالغة لفرنسا اكثر من أي وقت مضى. وتشخص مقالته الأخيرة بوضوح كثيراً من القضايا التي يشكل بعضها قنابل سياسية موقوته، والتي يترتب على الحكومة الفرنسية التالية، مثل باقي الحكومات الوطنية الأخرى، ان تتخذ منها موقفا. وهو يشدد في مقالته على كل من مسألة تصاعد العنف وعلى إمكانية حدوث quot;صدام الحضاراتquot;.
لعل من الملحوظ ان البيانات الانتخابية لمرشحي الرئاسة الفرنسية تعير اهتماما قليلا للسياسة الخارجية والسياسة الدفاعية أو الشؤون الاوروبية. وهي أمور تتصل ببعضها بشكل وثيق لأن السياسات الخارجية الوطنية كثيراً ما يجري تنسيقها على المستوى الاوروبي، كما أن للمفوضية الأوروبية تمثيلها المستقل الخاص في أكثر من مائة بلد. ولعل السياسات التجارية والزراعية المشتركة التي تعتبر حكرا خاصا على الاتحاد الاوروبي منذ عقود تلعب دورا في المفاوضات السياسية والدبلوماسية التي تخوضها الدول الاعضاء مع الدول الاخرى في العالم، لكنها تثير موضوعات منفصلة لأن الاتحاد الاوروبي يهتم بشكل رئيس بالشؤون الداخلية. وقد فقدت الدول الاعضاء السبع والعشرون اصلا ذلك الثقل الاقتصادي المتصل بالسياسات النقدية وسياسات الموازنة. كما أن النظم الضريبية التي ما تزال الضرائب فيها من الناحية النظرية مسألة خاصة بالدول الاعضاء، تخضع في الحقيقة إلى المعايير المعنية والتخفيضات كنتيجة للتنافس بين دول الاتحاد. وتخضع كل النشاطات الوطنية تقريباً لتلك الـ 80.000 صفحة التي تتضمن المعاهدات والأنظمة والتوجيهات والقرارات والتوصيات الخاصة بالاتحاد الاوروبي، والتي تشمل كل التشريعات والقضايا القانونية الأولية والثانوية المتصلة بالمجتمعات الأوروبية.
لعل من المنطقي ان تحتل أوروبا مكان الصدارة في كافة بيانات الانتخابات الفرنسية، لأن الأنشطة الوطنية المحلية قد أصبحت الآن مقتصرة على المناطق القليلة الباقية التي لا تغطيها السياسات العامة. كما أن العديد من الاجراءات التي يقترحها المرشحون الآن سوف تكون عديمة القيمة ولغواً لا طائل تحته من الناحية الفعلية ما لم تتم مراجعة السياسات العامة وإعادة التفاوض حول شروط المعاهدات.
أحد الإجراءات التي اقترحها مرشحون ممن صوتوا لصالح المعاهدة التي تؤسس لدستور اوروبا، والذي كان قد رفض يوم التاسع والعشرين من أيار-مايو 2005 كان اقتراحا من نيقولاس ساركوزي (الاتحاد من اجل التحرك الشعبي) والذي يدعو إلى حظر إغراق الأسواق. وقد تبنى هذه الفكرة فرانسوا بايرو (الاتحاد من اجل فرنسا ديمقراطية)، والذي يحبذ خلق تناغم في نظام الضرائب الاوروبي. أما الاجراءات الأخرى، فتشتمل على الاقتراح الذي قدمه الخضر ومرشحهم دومينيك فوانييه، والذي يقصر الدخول الى السوق الاوروبية على السلع والخدمات التي تفي بمعايير الانتاج والنقل الخاصة بمنظمة العمل الدولية. وهناك أيضاً الإجراء 89 من ضمن المائة من الحزمة الرئاسية التي تشرتها سيغولين روايال (الحزب الاشتراكي)، وهو الاجراء الذي يرمي إلى دمج اهداف النمو والتوظيف في ميثاق البنك المركزي الاوروبي. وفي الوقت ذاته، يوصي فوانييه بوجوب مراجعة مسألة استقلالية البنك المركزي الأوروبي.
ماذا عن اوروبا؟
كان يمكن لمثل هذه الإجراءات أن تصبح ضربا من المستحيل لو تم القبول بالمعاهدة التي تؤسس لدستور أوروبا. فهي كلها تحمل مضامين خاصة بالعديد من السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أوصى بها المرشحون المعنيون. لكن أحداً لم يقل ما الذي سيحدث إذا لم يتم تبني هذه الأجراءات من طرف الدول الأعضاء الست والعشرين الأخرى، وهو الأمر المرجح الحدوث.
إن لدى هؤلاء المرشحين، مثل معظم الآخرين، القليل ليقولوه فيما يتعلق بهذا العنوان الهام أو حول سياستهم الخارجية في حال تم انتخابهم. وهم يتمسكون عموما بأهداب العموميات، منعشين حراكهم بقصاصات متناثرة ومتباعدة من الرؤى الجيو-استراتيجية. وليس من قبيل المصادفة أن الاقتراحات الاكثر تفصيلا وكثرة تجيء من طرف مرشحين لا يتمتعون بأي فرصة للدخول في الانتخابات، من أمثال: أوليفيير بيسانسينو (رابطة الشيوعيين الثورية)، وخورايه بوف (مستقل ضد العولمة) وماري جورج بوفير (الحزب الشيوعي الفرنسي). وهؤلاء هم المرشحون الوحيدون الذين يوصون بأن تترك فرنسا الناتو وأن ذلك ينبغي أن يكون أمراً مفروغاً منه. أما روايال، فإنها توجه دعوات فحسب لمقاومة الإغواء المستمر بتوسيع إطار عمل الناتو وحقل عملياته.
عادة ما يلزم مرشحو الأحزاب الرئيسية للرئاسة أنفسهم بالإدلاء بتصريحات عامة على المسائل المبدئية، لكنهم لا يستطيعون تجنب الادلاء بتصريحات مفصلة من حين لآخر حول القضايا الكبيرة الثلاث الماثلة راهناً، وهي: العلاقات مع الولايات المتحدة، والنزاعات في الشرق الاوسط، والتواجد الفرنسي في إفريقيا.
إن الصلة عبر الأطلسي هي قضية تتسم بحساسية بالغة، خاصة منذ تكشف الوضع الكارثي في العراق وفوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية الاميركية في تشرين الثاني- نوفمبر الماضي. ويبدو من بيانات المرشحين وتصريحاتهم أن أي نزوع نحو خلق صلة، أو على الأقل اي تعبير صريح عنها قد أصبح الان شيئا من المحرمات في كامل الطيف السياسي برمته. ولم ينجم هذا السؤال لدى مرشحي يسار اليسار أو لفيليب دي فليير (الحركة من أجل فرنسا) وجان ماري لوبان (الجبهة الوطنية). كما لا يذكره الخضر وفيونييه في برامجهم الانتخابية، لكنه لا يمكن الشك في أنهم لا يكنون مشاعر رفقة لأميركا جورج بوش ما دامت تشكل الأطروحة المناقضة لنموذج الحركة البيئية.
أما مواقف كل من بايرو ورويال وساركوزي، فقد كانت اكثر قابلية للتكهن بها، فقد دان بايرو والحزب الاشتراكي غزو العراق في حينه، كما منحتهما حملة الانتخابات الحالية الفرصة لتجديد انتقاداتهما. ويوضح بايرو أنه كان قد اتخذ موقف الرئيس جاك شيراك، والذي دافع عنه دومينيك دو فيلبان، بأن فرنسا لم تكن متغطرسة، وانما كانت صادقة مع نفسها فحسب.
ومن جهتها، اتخذت روايال بدورها موقفا ايجابيا من سياسة شيراك. ولم تتفق مع الموقف الذي اتخذه مرشح منافس على بطاقة الحزب الاشتراكي، وهو وزير المالية السابق دومينيك شتراوس-خان الذي كان كان معروفاً بانتقاده لأسلوب الدبلوماسية الفرنسية، لكنه ما يزال غير متأكد أين يصنف نفسه. وكان شتراوس قد كتب في مراجعة لومايلبير دوموند (وهي من إنتاج مفكرين مؤيدين للولايات المتحدة ممن يدعمون الحرب في العراق مثل الفيلسوف أندريه غلوكسمان)، قال بهدوء انه لم يكن مؤيداً لشيراك ولا كان مؤيداً لتوني بلير، وأنه لم يلق بالاً لا لغطرسة شيراك العقيمة ولا لطاعة بلير عبودية الطابع.
الغطرسة
إن quot;الغطرسةquot; هي الكلمة المشفرة التي تستخدم على جانبي الاطلسي من جهة منتقدي الموقف الفرنسي حول العراق، كما ومن جهة المرشح ساركوزي الذي أعلن في العدد نفسه من المراجعة المذكورة انه لا يستطيع ان يتعامل مع فرنسا متغطرسة. وفي الثاني عشر من ايلول (سيبتمبر) 2006، قام بزيارة واشنطن كتعبير عن التواضع الذي يأمل بأن يبثه في السياسة الخارجية الفرنسية. وقد اعترف بأن فرنسا لم تكن غير قمينة باللوم تماماً فيما يخص علاقاتها مع الولايات المتحدة. وقد كوفئ بالتقاط صورة شخصية له وهو يقف جنبا الى جنب مع الرئيس بوش.
سرعان ما أدرك ساركوزي الخطأ المريع الذي ارتكبه عندما انحاز صراحة الى بوش وبدا وكأنه يثني على سياسته. وكان خطأ مشابه قد أسهم قبلاً في هزيمة رئيس الوزراء الإسباني خوزيه ماريا اثنار في انتخابات اذار-مارس 2004، والذي سيكون مسؤولا في وقت قريب عن مغادرة بلير المذلة لـ 10 داوننغ ستريت. وقد أصبح ساركوزي يعرف الآن بأنه quot;الأميركيquot;، وهو صليب ينبغي عليه حمله فيما هو يناضل لتصحيح صورته. وكان قد ألقى كلمة يوم الثامن والعشرين من شباط- فبراير قال فيها إنه يريد فرنسا حرة وأوروبا حرة، وطلب من quot;أصدقائنا الأميركيينquot; أن يتركونا أحراراً، مضيفا أن quot;الصداقة لا تعني الخضوعquot;. فهل كان يقول ما يفكر فيه حقيقة في أيلول- سبتمبر 2006 أم في شباط- فبراير 2007؟
أما فيما يخص الوضع في فلسطين، فإن المرشحين الرئيسيين الثلاثة لم يفترقوا عن الموقف الرسمي ولا هم تبنوه. لم يقل بايرو أي شيء، بينما أدلى ساركوزي ببعض التلميحات المراوغة من قبيل: يجب علينا الا نوافق على كل مطالب إسرائيل (ويعتبر ذلك تغيراً هامشياً في سمعته كمؤيد لإسرائيل بلا شروط، وحيث ينظر اليه كذلك في القدس).
كما أشار أيضا الى أن اول رحلة قام بها كزعيم لحزبه كانت إلى إسرائيل للاجتماع مع آرئيل شارون.
أما تصريحات روايال المتناقضة عندما زارت اسرائيل وفلسطين، فقد أثارت مشاعر مختلطة، حيث بدت وأنها مؤيدة لإنشاء حاجز الفصل، وتلقت مع ذلك تعليقات ودودة من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. أما الإجراء رقم 92 من حزمتها الرئاسية فيقول: quot;يجب أن نطلق مع شركائنا الاوروبيين مبادرة لعقد مؤتمر سلام وامن دولي حول الشرق الاوسطquot;، فهو يتسم بالغموض ويعتمد كثيرا على حسن نوايا المعنيين الآخرين إلى درجة يكون معها قابلا لأن يتهم بالتقصير. وهو لا يأتي على أي ذكر للأسس القانونية التي سيلتئم المؤتمر على أساسها. (لا يقول سوى بوفيه وبافيت ان المؤتمر يجب ان ينعقد تحت اشراف الامم المتحدة وبهدف تأسيس دولة فلسطينية مستقلة جنبا الى جنب مع دولة اسرائيل في اطار حدود 1967 تكون عاصمتها القدس الشرقية، كما ومع الاعتراف بحق عودة اللاجئين الفلسطينين استنادا الى شروط يتم التفاوض عليها، ولا يعدو ذلك أكثر من كونه إعادة لذكر بنود قرارات الامم المتحدة).
رويال متحفظة
في هذا الصدد فإن روايال، مهما كانت وجهات نظرها إن كان لديها أي منها في الحقيقة، تظل ملزمة بأن تأخذ في الاعتبار النزعة القوية المؤيدة لإسرائيل في قيادة حزبها. وقد جرى التعبير عن ذلك بشكل مشفر من خلال إشارات منتقدة ضد quot;سياسة فرنسا العروبيةquot;،ما يعني تأييد إسرائيل. وليس من المفاجئ ان يكون شتراوس قد هاجم هذه السياسة في مراجعة quot;موليير دو موندquot; بدوره.
أما فيما يخص إيران، إن كان ثمة آراء، تبدو منقسمة ظاهرياً فحسب، اذ يعتبر بايرو أن السماح لايران بحيازة اسلحة نووية يعد معادلا لإعادة عرض فيلم quot;ميونيخquot;، وهو يحبذ اتخاذ خط حازم، لكنه من غير الواضح الى اي مدى سيكون مستعدا للمضي قدماً. ويعتبر ساركوزي في الاثناء ان التدخل العسكري في إيران سيكون بلا جدوى على ضوء العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، لكنه لا يصفه بالضروة بأنه سيكون خطراً. ومن جانبها، لم تسحب روايال تصريحها المحرج والمناقض للقانون الدولي من أنه يجب عدم السماح للنظام الايراني حتى بتطوير الطاقة النووية لاغرض مدنية، ولا يعرف أحد ماذا يمكن أن تفعل حكومة يرأسها اي من المرشحين في حال قررت الولايات المتحدة، أو إسرائيل، التدخل عسكريا ضد ايران.
إن لدى كافة المرشحين من كل الأطياف السياسية شيئا مشتركا واحدا على الاقل، فكلهم يوافقون على ضرورة وضع حد لفكرة quot;الفرانكو-أفريقيةquot;، أي علاقة الرئيس الفرنسي الشخصية الخاصة مع الزعماء الافارقة، سواء كانوا محترمين أو غير ذلك، وتضاعفات تلك للعلاقة في شبكات العمل التي تعود للستينيات من القرن الماضي والتي كانت تدار من قبل رؤساء متعاقبين مثل جاك فوكار وشارل باسكا وجان كرسيتوف وميتران. ويشكل هذا مثالاً إقليمياً على مبادئ شيراك الدبلوماسية الثلاثة التي عرفها هيوبرت فيدرين على أنها: حقوق الانسان باعتبارها المعيار الأول للتدخل الخارجي، وأهمية أوروبا، والصلات عبر الاطلسي.
لقد أفضت نتيجة الاستفتاء الذي أجري يوم التاسع والعشرين من ايار- مايو 2005 والفوضى العارمة في العراق إلى نزع الصدقية عن المبدأين الأخيرين في الوقت الراهن على الأقل. لكن موقفا داعما لحقوق الانسان سيشكل قوة في فرنسا، بغض النظر عمن يتم انتخابه، والذي سيحدد المواقف الفرنسية من الصين وروسيا والعالم العربي وإفريقيا. ولعل لدينا دلالة منذرة حول هذا الميثاق فيما يتعلق بدارفور، والذي وقع عليه معظم المرشحين.
في غياب أية رؤية كونية لميزان القوى المتغير والأفق الذي يتركه للدفاع عن المصالح الوطنية الحيوية، فإن الدفاع عن حقوق الانسان يمتلك خصيصة أن يشكل نقطة مرجعية بسيطة، بل وتبسيطية.














التعليقات