سحر بعاصيري

لجوء واشنطن الى بناء الجدران الإسمنتية لعزل المناطق السنية عن الشيعية في بغداد يطرح تساؤلات عدة عن اولوية السياسة الاميركية في العراق وجدية التزامها المعلن وحدة اراضيه.
نذكر ان هدف الخطة الامنية الاخيرة التي تنفذها القوات الاميركية منذ تولى الجنرال ديفيد بترايوس القيادة مطلع شباط كان دعم الجهود للتوصل الى مصالحة وطنية قادرة على حماية الوحدة. لكن ما نراه اليوم يبدو مختلفا: اجراءات امنية اكثر وجهود مصالحة اقل، بل جهود تتلاشى خلف العنف.

ليس في هذا انتقاص من فوضى الوضع الامني وحاجة المواطنين العراقيين حتى قبل الجنود الاميركيين الى قليل من الاستقرار، لكن هبّة الجدران في بغداد لا توحي بوعد على طريق الامن والاستقرار بقدر ما توحي بمحاولة لاصطناع استقرار - اذا كان اصطناعه ممكناً.

صحيح ان نموذج عزل مدينة الفلوجة الذي يعتبره الجنرال بترايوس ناجحا لا يزال صامدا نسبيا لذلك قرر تعميمه على بغداد. ولكن سبق للقوات الاميركية ان عزلت مدنا اخرى مثل تلعفر قرب الحدود السورية وسامراء. لكن عزل تلعفر انهار بعدما فجر مسلحون من السنة حياً شيعياً رد سكانه باجتياح الاحياء السنية واقتياد مواطنين منها واعدامهم في الشوارع. وفي سامراء لم يحل العزل دون تفجير مرقد الامامين العسكريين الذي اشعل النار الطائفية. حتى ان اهم حصن في بغداد، المنطقة الخضراء، لم ينج من اقتحامه بسيارة مفخخة.

ومع هذا يرى الجنرال المتخصص بمعالجة حالات التمرد ان نموذج العزل ينفع، وهو يستعد لتسوير عشرات المناطق في بغداد قد تبلغ 30. وعلى طريقة الفلوجة يبدو ان الخطة تشمل اعطاء سكان كل منطقة بطاقات خاصة بعد اخذ بصمات ايديهم وعيونهم، وتحديد منافذ لكل منطقة ومنح اذون خاصة لمن يريد زيارتها. ومع ان البعض قد تريحه هذه الاجراءات لانها يمكن على الاقل ان تحد من السيارات المفخخة، فان الاصوات الرافضة للجدران والعابرة للطائفتين شعبيا تفهم الاجراء منذ البداية تشييدا لسجون كبيرة لا تحد من الحركة فحسب بل تصيب العلاقات المتداخلة بين الطائفتين لدى غالبية العراقيين العاديين وتصيب الاقتصاد القائم في بغداد على الاختلاط بين المناطق بعواقب وخيمة.

بهذا المعنى ان بناء الجدران التي هي ركيزة الخطة الامنية يحمل خطراً اكبر على فكرة المصالحة لانه يهدد النسيج الاجتماعي للعراق خصوصا ان لا افق سياسيا او امنيا يسمح بتوقع موعد لازالتها. وبهذا المعنى ايضا يخشى ان يتحول سريعا هدية لكل من يدعو الى التقسيم في العراق او يعمل من اجله بعرقلة العملية السياسية او بالتفجيرات والقتل.

هذه الاستراتيجية لا يمكن ان تتلاقى وجهود دفع المصالحة فكيف اذا كان التركيز على الامن فقط بل على التعامل معه وكأن الجدران تخفي المشكلة فيما جهود المصالحة تقترب من خبر كان؟

فهل اخطأت واشنطن الحساب مرة جديدة لتضاف الجدران الى حل الجيش العراقي واجتثاث البعث وغيرها ولتنتهي بحصار عملية المصالحة بدل حصار المشكلة الامنية؟ هل ان كل ما تريده هو تحقيق مظهر استقرار ما اقله في بغداد قبل الانتخابات الرئاسية في 2008؟هل توصلت الى ان الجدران هي quot;الملجأquot; الآمن بل الاخير لها، تقرر بموجب نتائجه quot;مخرجاquot; تسعى الى ان يكون مشرفا لها أياً كان ثمنه على العراق؟ هل بدأت تتقبل فكرة تقسيم العراق التي تروّجها بعض الدوائر في واشنطن على اساس انه اسهل المخارج لاميركا واسلمها للعراقيين؟ ام هي كل هذه الاسئلة معا؟
لا وسيلة لمعرفة الجواب غير الانتظار. فالارجح ان الادارة الاميركية نفسها لا تعرف ايضا.