رئيس تحرير quot;روز اليوسفquot; يرد على عبد الإله بلقزيز:
لماذا تطوع من لا يعرف شيئاً للدفاع عن محمد حسنين هيكل

عبدالله كمال


اضطر الاستاذ عبد الاله بلقزيز الى استنفاد نحو 700 كلمة، في مقال نشرته quot;النهارquot; يوم الجمعة الماضي (bull;)، لكي يثبت لقرائها - في معرض دفاعه عن الكاتب محمد حسنين هيكل - انني من quot;الصغارquot; ومن quot;الغمر الغفلquot;، وquot;لا يعرفني احد خارج مصرquot; وquot;قد لا يعرفني الكثيرون داخلهاquot;. ولست اعرف اذا كنت على هذه الدرجة من quot;النكران والمجهوليةquot; ما الذي دفع بلقزيز ان يدبج quot;وصلة الشتائمquot; تلك في حقي، طالما انني غير معروف وغير مؤثر الى هذا الحد؟!

واقعيا، كان الاستاذ بلقزيز يمارس، كما يفعل آخرون، نادرون، طقس التقديس والتعبد لمن يراه quot;عميد الصحافة العربية وسيد رجالهاquot;، قاصدا بذلك محمد حسنين هيكل.

وبالاجمال، وحتى تتثبت بالدليل اركان الجريمة المهنية عليه، فان الاستاذ بلقزيز الذي تصدى لمعركة هو ليس طرفا فيها، ولا اي من قرائه ولا أي من قراء quot;النهارquot;، استدعى من ذخيرته الاخلاقية ما لا يقل عن 40 شتيمة مركبة، بخلاف المفردات القبيحة المجزئة، لا لشيء الا لكي يثبت انني quot;أتطاولquot; وquot;اتجرأquot; بل وحين اناقش قديسه الاعظم (هيكل) فانني انتحر. اذ قال بالحرف: quot;ارسلوا انتحاريين لتفجير انفسهم عسى بعض شظاياهم تصيب تاريخ الرجل وسمعته وهيبته ببعض الاضرارquot;.

لقد تعمّد الاستاذ بلقزيز الا يذكر اسمي، باعتباري quot;نكرةquot; بل وادعى انني قد quot;وضع اسمي على رئاسة تحرير منبر صحافي عريقquot;، في ما يمثل افتئاتا على تاريخي المهني وقدراتي. اذ ما هو دليله على انني قد quot;وضع اسميquot;، وهل يعرف لماذا اصبحت في ذلك الموقع؟ وهل يعرف ان في قائمة اصداراتي 11 كتابا ومؤلفا، وانني عملت منذ 1985 في عديد من الاصدارات المصرية والعربية، واتشرف بمسؤولية المجلة الاسبوعية السياسية الاولى باللغة العربية quot;روز اليوسفquot; وهي تصدر كما يعرف الجميع منذ 82 عاما، وقد نجح كاتب هذه السطور في ان يضيف الى اصدارها الاسبوعي اصدارا يوميا يحمل اسمها منذ 14 آب 2005، وكان ذلك حلما يلاحق اجيال الصحافيين، منذ كان لـquot;روز اليوسفquot; جريدتها اليومية وتوقفت بعد عام من صدورها في 1934، واظن - ان جاز لي الحكم - ان الجريدة اليومية في اصدارها الثاني صارت رقما مؤثرا في معادلة القراءة والسياسة في مصر الآن؟

لا اعتقد ان بلقزيز يعرف، كما انني لا اعرف كم عمره، لكن المؤكد انني من جيل يرفض التقديس، ولم يصلّ يوما في معبد هيكل، ولا روّج اسطورته، او سبّح بحمد كتاباته، كما انني بالتأكيد لست منافسا او ندا له كما يلمح بلقزيز. ذلك ان الاستاذ هيكل خرج من الملعب، مرة اجرائيا حين اقاله السادات من موقعه في quot;الاهرامquot; عام 1974، ومرات بحكم كونه من الـ83، بينما ما زلت في الـ41، ومرة بحكم انصراف هيكل الطوعي الذي قرره بخط يده ثم تراجع عنه كما رجع عن كثير من مواقفه واقواله، فضلا عن ان صناعة المجد من الخداع والتضليل وألاعيب السياسة ليس احد طموحاتي.

وبغض النظر عن ان الاستاذ بلقزيز اشار في مقاله لـquot;النهارquot; الى انتقادي لعميده هيكل جاء ردا على آراء ابداها في حوار مع روبرت فيسك (احد اركان الصحافة العالمية) وبغض النظر عن اني لا اعتقد ان فيسك كذلك، ولا اميل الى استخدام اوصاف quot;افعل التفضيلquot; التي لجأ اليها بلقزيز في وصف هيكل ومن حاوره ومن سانده، فقد غاب عنه ان يوضح لقارىء quot;النهارquot; عدة نقاط اجملها في ما يلي:

1- لا يقول الاستاذ محمد حسنين هيكل quot;قرآناquot; وكلامه قابل للنقاش. والجدل في علم اللغة، ان كان الاستاذ بلقزيز يعلم لا يعد تطاولا خاصة ان كان في المضمون. وقد اغفل quot;عابد المقدسquot; أي الاستاذ بلقزيز، ان يذكر للقارىء في ما كانت انتقاداتي، وتجاهل ان هيكل يطرح نفسه حتى الآن امام الناس، وبالتالي فان عليه مثل اي quot;مذيع تلفزيوني... فهو يقدم برنامجاquot; او شخصية عامة، ان يقبل الاخذ والرد، فما بالك بكاتب... صنعته التفاعل مع الرأي العام؟ الا اذا كان الاستاذ بلقزيز يعتبر الكتابة وطرح الرؤى من خلال الصحف والقنوات عملا quot;مصمتاquot; او كان يرى ان هيكل - معاذ الله - يوحى اليه.

2- هاجم بلقزيز ما ارتأى انه عدم موضوعية من جانبي، بل واعتبرني quot;اماثل السياسيين والصحافيين الصهاينةquot; هكذا كتب بالحرف في quot;النهارquot;، وهو وصف - فضلا عن اوصاف اخرى - يحاسب عليه اي قانون للسب والقذف في اي دولة في العالم، ولكن فات الكاتب المغربي وهو يناقش شأنا مصريا في جريدة لبنانية انني كنت انتقد ادعاء هيكل في حواره مع الكاتب الركن روبرت فيسك ان ميزانية الامن الداخلي في مصر باتت اضعافا مضاعفة لميزانية الدفاع. وبغض النظر عن تحليل دلالات هذا الكلام الفارغ، فانه لا يستند الى حقيقة، ولا تدعمه ارقام، ولا تعضده وثائق هيكل الكثيرة، اذ ان آخر وثائقه يعود الى عام 1970. ولو ان صحافياً ناشئاً كتب ذلك لحوكم مهنياً عن ارتكاب هذا الفعل الصحافي الفظيع، فما بالك بكاتب quot;مقدسquot; يصفه بلقزيز بأنه quot;عميدquot;؟

ان الارقام المعلنة من الحكومة المصرية والمقرة برلمانياً تقول بوضوح ان ميزانية الدفاع نحو 17 مليار جنيه مصري، وميزانية الداخلية نحو 9 مليارات جنيه، ناهيك عن ان المقارنة البسيطة بين احتياجات الجيوش واحتياجات الشرطة مهما بلغ عتادها تثبت ان هيكل يقول كلاماً لا قيمة لدقته، ولا يمكن ادراجه الا تحت بند الهزال المهني، ام ان بلقزيز يرى غير ذلك؟!

3- لن اضرب للاستاذ quot;الرداد بالنيابة عن العميد المقدسquot; أمثلة كثيرة، ولكن تعجّله أعماه عن أن يقول انني أثبت من خلال مقالاتي في quot;روز اليوسف اليوميةquot;، وعبر ما قاله quot;فيسك الركنquot; ان هيكل quot;محترف تشنيعاتquot;، وانه لا يلتزم باخلاق وقيم الكاتب السياسي الرصين، كما ان ذلك أعماه عن ان يشير الى أنني طالبت quot;العميدquot; بأن يكشف عن ثروات ابنائه وانجازاتهم في عالم البيزنس حين ينتقد الاوضاع الاقتصادية في مصر، طالما ارتضى هيكل الشفافية وقَبِل المحاسبة، وانصاع الى قواعد النقاش الحر والمنفتح.

4- تجاهل بلقزيز انني انتقدت بحدة مقالات التضليل التي كان يخدع بها هيكل الرأي العام قبل هزيمة 1967، وانه بشّر الجماهير بالنصر، ودخول تل أبيب القريب، وانني كذلك انتقدت مقالات quot;التيئيسquot; التي كان ينشرها قبل حرب 1973، وادعاءه (حرفياً) ان اقتحام خط بارليف (يحتاج الى قنبلة ذرية تكتيكية، ليس اقل)، وهو ما لم يفتّ عضد جيش مصر الذي حقق نصراً عظيماً ظل هيكل يشكك فيه في ما بعد، رغم انه نصر تاريخي عوّضنا عن فشل دولة quot;عبد الناصر - هيكلquot;.

5- فات بلقزيز أن يشير الى أنني هاجمت بشدة أن يلجأ عميده هيكل في حملته لتشويه الرئيس الراحل أنور السادات الى معايرته - أي معايرة الراحل وبعد أن رحل - بلون بشرة والدته الاسمر. ولا اظن ان تلك العنصرية تمررها معايير الموضوعية، أو ان تلك الاخلاق تقبلها المهنية. واذا أراد بلقزيز الاستزادة في ذلك فيمكنه أن ينشّط ثقافته وذاكرته وذاكرة عميده وركنه بكتاب الفيلسوف الدكتور فؤاد زكريا: quot;كم عمر الغضب؟quot;، الذي كتبه قبل سنوات رداً على quot;خريف هيكل وغضبهquot;.

6- ربما لا يعلم الاستاذ بلقزيز ان عميده، قبل أن يدلي بحواره هذا الى الركن، ارسل خطاباً موقعاً ثم مبعوثاً نيابة عنه الى كاتب هذه السطور (المجهول!) لكي يطلب منه التعاون مع quot;مؤسسة هيكل للتدريبquot;، ومناقشة سبل ذلك، وهو ما رفضته لاسباب ليست تلك مناسبة ذكرها، ونشرت ذلك في أعمدة لم يشر اليها quot;بلقزيزquot;.

خلاصة القول، وكما ثبت الآن، فإن بلقزيز دخل الى مساحات لا يعرف حدودها، وملفات لا دراية له بها، وبلا بناء منطقي، أو عقلانية مرتبة، وربما كان هدفه من quot;الرد بالنيابة عن هيكلquot; أن ينال مكالمة ثناء من quot;عميدهquot;. ولكنني - مع كامل الفخر - لست من تلك الفئة التي يمكن ان تقدس كاتباً، أو تصلي في معبد شخص موصوف بأنه quot;سيد رجال المهنةquot;، وكأنه حسينها على الرغم من انه ما زال يحاول حصد الاضواء ولو كان ذلك على حساب معايير المهنة والقيم.


مقال بلقزيز : حين يتطاول الصغار

http://www.elaph.com/ElaphWeb/NewsPapers/2007/4/227648.htm