الأخيرة
يستكمل العلوي رحلته في كتابه ووقوفه عند المشاهد العمرية المتنوعة محاولاً شم رحيق المشاركة وعبق الفضائل المنسوجة بأقلام شيعية، معترضا على معماري القطيعة بمداميك الجهل والتخاريف. وعند نهاية رحلته يخلد العلوي قلمه إلى الراحة لعل حلمه القصي يتحقق بمصالحة الربعين في لحظة لقاء، وما المانع في أن تكون ثمانية عشر ألف صلاة في المسجد النبوي.
التشيع العراقي واللبناني
يتوقف العلوي في استطلاعه لشخصية عمر لدى الشيعة عند التشيع العراقي واللبناني فيرى laquo;ان الفرق الملقوط بين مدرسة التشيع العراقي وشقيقتها اللبنانية ان المتنور في الأولى يطل على الناس من خارجها، فكأن حركة التنوير تتوشج مع خيوط الانشقاق عن المؤسسة الدينية، وقد يكون المتنور رائداً علمانياً كعلي الوردي، أو تراثيا ماركسيا كهادي العلوي، ويندر أن يلتقي التنوير والانتظام في اطار الحوزة كحالة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء التي لم تتكرر في هذا الانتظام. أما في المدرسة اللبنانية، فقد يسطع نجم المتنور من مؤسسة التشيع، كما في مدرسة السيد محسن الأمين العاملي، والممتدة والمتفرعة إلى بعض أبنائه والمستقرة في حارة حريك في الضاحية الجنوبية، على عنوان السيد محمد حسين فضل الله، والواضحة المعالم في كتابات السيد هاني فحص. وتختلف المدرستان لدى الإسلاميين العراقيين واللبنانيين الذين يتغذون من الوريد الإيراني، ففي الحالة العراقية يبدو الإسلاميون، وهم ألصق بجغرافيا إيران، ألصق بالمألوف التقليدي وأعراف الحوزة في تيار القطيعة، ولو أنهم تلامذة وأحزاب محسوبون على الإمام الخميني وثورتهraquo;.
ويقول: laquo;والسبب غير الواضح ان الإسلامي العراقي الشيعي قادم دائماً أو على الأكثر من سلالة دينية ذات نفوذ يستمد منها تراثه الحوزوي والعائلي، وكأنه في غنى مادام في بركة الفيض النجفي، عن التأثر بالمدرسة الجديدة للإمام الخميني، حتى في جانبها السياسي، ولولا موقفه المتشدد من النظام العراقي في عهد صدام حسين، لكانت طرق الاتصال بالثورة الإسلامية الإيرانية أضعف مما صارت عليه في الثمانينات الميلادية كملاذ وممول لحركة المعارضة الاسلامية. والدليل أن الإسلاميين العراقيين المحسوبين حتى اللحظة على إيران يفضلون التحالف مع الولايات المتحدة وهو عند الإمام الخميني تحالف شيطاني مريب. وفي الاتجاهات الفقهية، لم يأخذ الإسلاميون العراقيون من مدرسة الإمام الخميني إلا القليل منهم ومن ذلك الجهود الخيرة للإمام السيد محمد باقر الحكيم.
ويسجل على المدرسة العراقية الراهنة انها لا تنتهي فقط إلى تراث القطيعة في التاريخ، بل إلى شيء من القطيعة مع المحيط العربي، وهو الأمر الذي يبرر بكونه استجابة طبيعية لقطيعة المحيط العربي ضد التشيع العراقي بعد تغيير النظام السياسي في ابريل 2003.
ولطالما أشبعت رسائلي إلى السيد محمد باقر الحكيم رحمه الله، بالإلحاح على ضرورة ميل الإسلاميين نحو جذورهم العربية، ولعله اقتنع بقبول الأفكار الدائرة حول الفصل بين العروبة والقومية العربية، وكون النبي محمد كان عربيا ولم يكن قوميا عربيا.
أما المدرسة اللبنانية فهي ألصق بمحيطها العربي وبشخصيتها الوطنية. فهي مثلا تستفيد من الوريد الإيراني وتندمج عقائديا مع الثورة الإسلامية، لكنها تحتفظ بشيء من الاستقلالية التي ورثتها من التربية الليبرالية ومن جذور مدرسة محسن الأمين العاملي وظروفها المحليةraquo;.
المنهج الصفوي بدلاً
من التشيع الصفوي
يتجنب العلوي مصطلح التشيع الصفوي laquo;لأن فريقا من السياسيين صاروا يلحون باستخدامه، من باب التشهير بالتشيع، في اطار مشروع تعجيم الشيعة، الذي ظهر للمرة الأولى أثناء الاحتلال البريطاني للعراق وتصدى الفقهاء الشيعة بشكل خاص له.
ومن الأمانة العلمية ان كاتب السطور لم يكن مبتدعا هذا المصطلح، حيث صدر للمرة الأولى من منابر حسينية ارشاد في طهران، على لسان المفكر الاسلامي الشهيد علي شريعتي، وان كنت معنيا بالدور الصفوي في مصادرة التشيع قبل أن تترجم كتابات علي شريعتي إلى العربية بأكثر من عشر سنوات، وعندما اطلعت عليها في منتصف الثمانينات، وجدت أن المشترك بيننا يتسع باتساع الهوة ما بيننا وبين التشيع الصفوي.
واكتشفت ان هذا المفكر الذي وجد ميتا في شقته بلندن عام 1977، عن ثلاثة وأربعين عاما، كان مثلي من المتأثرين بكتابات الدكتور علي الوردي. ومن جانب آخر يبدو الرجل وهو إيراني فارسي قح، كأنه من الدعاة القوميين العرب في منهجه الثوري الجديد، والذي دفع حياته ثمنا لهraquo;. ويضيف: laquo;وإذا عزفنا عن استخدام مصطلح التشيع الصفوي، لذلك السبب، وأسباب أخرى فلا يعني عدم وجوده. وقد أنكر بعض المتحدثين من الإعلاميين الشيعة تقسيم التشيع إلى علوي وصفوي وقالوا بوحدته. فإذا اتفقت جدلا مع هذا الرأي، فالراجح عندنا عدم إغفال المنهج الصفوي في البحث التاريخي، ووحدة القياس المذهبي وفي أولويات دعاته. والصفويون أسسوا أول امبراطورية شيعية كسروية لمواجهة الدولة العثمانية، وأعطوا للفقيه سلطة ودورا أساسيا في قيادة الدولة. وأقاموا مؤسسات ومعاهد ومجالس علمية وأعرافا وتقاليد ليس من السهولة أن تنزاح عن تاريخ التشيعraquo;.
مصطلح الروافض
يوضح العلوي أنه laquo;لم يطلق على أصحاب الإمام علي مصطلح الرافضة وقد شاركوا في ادارة الدولة الجديدة، لكن وصف أتباعه، وعلى وجه الدقة الشيعة، بأنهم روافض يتعارض مع أمرين: الأول ذهاب أصحاب الإمام إلى مذهب المشاركة وإنهاء القطيعة. والثاني ان الغالبية المطلقة للمراجع السنية وأقوال أئمة المذاهب ودعاتهم حتى اليوم تؤكد بيعة الإمام علي وعدم مواصلة اعتكافه أكثر من ستة أشهر، وقيل أقل من ذلك. وهذا اقرار بأن أصحاب الإمام وشيعته لم يكونوا من الروافض، إذ لا يستقيم القول بالمشاركة والقول بالرفض.
فإما أن يكونوا مشاركين، وهذا ما عليه المراجع السنية وما يقول به أهل التشيع قبل ظهور نظرية القطيعة فهم ليسوا روافض، وإما أن يكونوا مقاطعين للأبد. ويصح قول القائلين بالقطيعة، فهم روافض. ويكون أهل السنة من دعاة القطيعة لا المشاركة والقائل بالرفض هو القائل بالقطيعة، سواء كان من أهل التسنن أم من أهل التشيع وحجم القائلين بالقطيعة سينتعش، وتتكرس نظريتهم، وتكسب دعاة جددا، والدليل أن الشيعة روافض، بمنطوق سني، فكيف يدعو كاتب السطور إلى نظرية المشاركة التي لا يؤيدها أهل السنة بهذا المنطوقraquo;.
ويرى العلوي laquo;ان طعن الشيعة بمصطلح الرافضة يؤكد عدم حصول البيعة لأبي بكر وعمر، وان الإمام علي كان بالفعل جليس البيت، لم يغادره منذ وفاة النبي حتى ظهور اسمه في مجلس الشورى. وهذا نصر مبين لما يسمونه الآن بالمنهج الصفوي القائم على رفض الإمام علي وأصحابه المشاركة في دولة أبي بكر وعمر. فيلتقي المتشدد من أهل القطيعة، وهم من يسمونهم الصفويين مع المتشددين الذين يصمون الشيعة بالروافض في الكتب والخطب والمقابلات التلفزيونية، ظانين أنهم يدفعون بهذا الكلام الأذى عن الشيخين.
واصل الرافضة في قواميس اللغة (كل جند تركوا قائدهم) والرافضة فرقة منهم.
والرافضة فرقة من الشيعة قال الأصمعي: سموا بذلك، لأنهم بايعوا زيد بن علي ثم قالوا له تبرأ من الشيخين. فقال: لا... انهما وزيرا جدي. فتركوه ورفضوه وأرفضوا عنه، والرافضة غير الشيعة كما الناصبة غير السنة، وكان العقاد يستخدم هذا الفصل عندما يذكر أحدهماraquo;.
تنوير شيعي
يمدح العلوي الحركة التنويرية الشيعية التي ظهرت في القطيف والاحساء لانها اتجهت فكريا نحو نظرية المشاركة نائية بنفسها عن الشوائب الصفوية. وينقل العلوي تحليل علي شريعتي عن التشيع الصفوي فيقول: laquo;إن التوظيف السياسي الصفوي للمذهب الشيعي في بناء الشرعية السياسية والدينية لسلطاتها، وإحالة التشيع إلى أيديولوجيا قومية سياسية للدولة الصفوية، انتهت إلى شبه قطيعة مع المذهب الشيعي نفسه، بل ان الدولة الصفوية، الوارث التاريخي والمذهبي للدولة البويهية أضفت لونها الخاص على المذهب الشيعي الذي أفادت منه تحصين الدولة واستعملته خطابا للتعبئة العامة وان تطلب في أحيان كثيرة اضفاء مسحات عقدية مستحدثة على المذهب الشيعي كالتصوف والاعتزال، أفضت حسب الدكتور علي شريعتي إلى نشوء خليط من فلسفة النظام الحاكم والروح القومية والتصوف، وان هذا الخليط الكيماوي الذي غطي بلواء التشيع واسمه، إنما يدفع نحو الانحطاط ويبرره، وهو أعدى أعداء التشيع العلوي نفسه.
هذا الخليط نفسه يؤول إلى ترويض التشيع وابتزازه، يسلب منه مضمونه الحقيقي ويحيله إلى مجرد أداة دعائية تعبوية محضة، أو حسب الدكتور شريعتي إلى تشيع المصلحة لا تشيع الحقيقةraquo;.
هاشم معروف الحسني
يلفت العلوي إلى شخصية شيعية دينية بارزة بحجم المؤرخ السيد هاشم معروف الحسني كسرت مناهج القطيعة باستقصائها عن حقائق المشاركة، يقول الحسني: laquo;أما أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فلم ينقل أحد من المؤرخين انه وقف موقف المعارض لخلافة ابن الخطاب، أو بدا منه ما يسيء إلى صلاته به، بل رضي لنفسه أن يكون كغيره من الناس، لا يذكر لمن مضى ولمن جاء من بعده إلا المحاسن، ولا ينطق إلا بلسان البررة الأطهار، يمنحه النصيحة ويزوده برأيه كلما أشكل عليه أمر من الأمور أو طرأ حادث جديد لم يسبق له نظير في حياتهم من قبل تسيره مصلحة الإسلام وحدها ولا ينظر إلى الحكم والحاكمين إلا من هذه الزاوية، ومادام الاسلام يسير بتلك السرعة في ما وراء حدود الحجاز وعروش أولئك الحكام تتهاوى تحت أقدام الفاتحين، وأصوات المؤذنين تنطلق من الأعالي والسهول ومن كل مكان، مادام الإسلام يسير بتلك السرعة والمسلمون بخير لا يهمه من تولى الحكم وكيف تولاه، وطالما كان يردد على مسامع الناس ويلقي عليهم من دروسه الرائعة، والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن جور إلا عليّ خاصة، لقد ساهم أمير المؤمنين في الحياة العامة ما وسعه، وأدى ما عليه للجمهور من تعليم وتفقيه وقضاء على مدى أوسع مما أداه في عهد أبي بكر حيث اقتضت الظروف ذلكraquo;.
ويضيف الحسني: laquo;ويحدث التاريخ عن عمر بن الخطاب بأنه كان يحترم قوله، ويقف عند رأيه حتى في غير التشريع، ويقول: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبوالحسن، وتنص المرويات على أن أمير المؤمنين هو الذي وضع للمسلمين تاريخهم الذي أرخوا به ولا يزال حتى اليوم. ولقد جاء في ذلك أن رجلاً جاء إلى ابن الخطاب يخاصم آخر بدين له عليه ومعه صك مكتوب فيه استحقاق أصل المال وانه يستحق شعبان، فلما ألقى بصره عليه أدرك مواضع النقص وتوجه إلى الدائن يسأله أي شعبان هذا؟ أشعبان هذه السنة أم التي بعدها؟
وأجابه الطرف الآخر، ولكنه لم يكن ليطمئن لقوله مادام كل منهما يدعي أمرا والكتابة لم تنص بصراحة على تاريخ الأداء، والناس يوم ذاك لم يكن لديهم تاريخ خاص فكان بعضهم يؤرخ بعام الفيل، وآخرون يعتمدون تاريخ الدولة المجاورة لهم، فأجمع رأي ابن الخطاب على أن يضع للمسلمين تاريخا يعتمدونه في أمورهم، فجمع الصحابة ليقف على رأيهم في هذا الموضوع واختلفت آراؤهم في ذلك أشد الاختلاف، وكادوا أن يتفرقوا من دون أن ينتهوا إلى نتيجة حاسمة، لولا أن علياً (ع) قد أقبل عليهم بالمعهود من رأيه السديد، واتجه إليه ابن الخطاب يسأله، فقال (ع) نؤرخ بهجرة الرسول من مكة إلى المدينة، فأعجب عمر بن الخطاب برأيه وهتف يقول: مازلت موفقاً يا أباالحسن.
واقترن رأيه هذا باعجاب الحضور أيضاً لأن هجرة الرسول كانت البداية لانتصار الإسلام على الشرك وحدثا تاريخيا لعله من أبرز الأحداث في تاريخ الدعوة من حيث نتائجه، يذكرنا بالتضحيات الجسام التي قدمها علي بن أبي طالب لينتشر الإسلام في شرق الأرض وغربها. وجاء في شرح النهج عن الحسن بن محمد السبتي انه قرأ في كتاب ان عمر بن الخطاب نزلت به نازلة فقام لها وقعد لمن عنده من الحضور: يا معشر من حضر ما تقولون في هذا الأمر، فقالوا يا أمير المؤمنين: انت المنفزع، فغضب وقال: laquo;يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداًraquo; أما والله إني وإياكم لنعلم بجدتها والخبير بها، فقالوا: كأنك أردت علي بن أبي طالب، فقال: وأنى يعدل بي عنه، وهل طفحت حرة بمثله؟ قالوا فلو دعوته يا أمير المؤمنين، فقال: هيهات أن هناك شمخا من هاشم وأثره من علم ولحمة من رسول الله، إن علياً يؤتى ولا يأتي فامضوا بنا إليه فمضوا نحوه. لقد كان علي (ع) يتمنى أن يكون ولو جندياً مع أولئك الغزاة إلى ما وراء الحدود وماداموا يحملون إلى تلك البلاد رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) التي كان يفنى في سبيلها ولا يفكر بغيرها، ولا يضره إذا تحققت أهدافه أن يكون أميراً أو مأموراً، وطالما كان يرمي بنظراته تلك الجموع المدججة بالسلاح تودع المدينة في طريقها لخارج الحجاز ويتمنى لو يتاح له أن يكون معهم حيث يريدون ولكن ذلك كان محظوراً عليه وعلى غيره من كبار الصحابة فيعود طاوياً قلبه على هم جديد فوق ما طواه عليه من هموم وأحزانraquo;.
الخميني والتجربة العمرية
يقول العلوي: laquo;في تاريخ الفقه الشيعي الحديث ينفرد المفكر الفقيه الإيراني شيخ الإسلام محمد حسين النائيني- نزيل النجف في العراق- برأي خطير، وهو يدلل على مشروعية تولي غير المجتهدين للسلطة الإسلامية، فيقرر، كما يقول المفكر السعودي الشيعي توفيق السيف، ترجيح رأي الولي النوعي، في مجال عمله ومشروعية عمله تبعا لترجيحاته اذا كان مأذونا في الولاية.
إن الولي النوعي المقصود هنا هو صاحب الكفاءة الذي يتولى عملاً من أعمال الدولة، فيكون صاحب اختصاص فيه. وهذا مشابه لما ذهب إليه قليل من الفقهاء الذين اشترطوا الخبرة النوعية في صاحب الولاية مثل كاشف الغطاء والخميني.
وفي هذا الرأي اعتراف ضمني، وان لم يُصرح به بصواب نظرية عمر بن الخطاب في اعتماد (غير المجتهدين) ولاة وأمراء ممن يطلق عليهم الشيخ النائيني في رسالته المثيرة: (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) الولي النوعي. ويفهم الدكتور توفيق السيف أن الخبرة النوعية في أمر الولاية مقدمة على الاجتهاد في الفقه بالمعنى المتداول مع الاحتياط ونيل الاذن من الفقيه الأعلىraquo;.
ويضيف: laquo;أصدر عمر بن الخطاب بعد الإطاحة بالسلالة الكسروية، أمراً أبلغه سعد بن أبي وقاص يستصفي ما كان لآل كسرى، ومن لج معهم من الدهاقين والقادة، من أموال، ووجد عمر كما يقول محمود شلبي في كتابه حياة عمر، طبقتين في بلاد فارس، عالية شامخة ظالمة تمتلك كثيرا. وغالبية مستضعفة لا تمتلك شيئا، فصادر أملاك ال كسرى وأملاك الكبراء والأمراء والدهاقين، فأصبحت تلك الأملاك ملكا للدولة، لا يجوز التعامل فيه، ولا بيعه، ولا شراؤه، حبسا على منفعة الناس، وكانت تلك من قرارات التأميم المبكرة في تاريخ البشرية، كما اعتبر الأراضي الزراعية المؤممة ملكا خاصا للدولة يعمل فيها الفلاحون القدماء أنفسهم، وجعل المنافع العامة من مجاري المياه وسلك البريد ملكا عاما أيضاً.
وأقول كشاهد ومراقب لتاريخ الثورة الإسلامية في إيران، ان الخميني طبق هذه الإجراءات عند إطاحته بنظام كسرى بحذافيرها، فصادر ممتلكات الأسرة الكسروية ووزع أراضي الاقطاعيين على الفلاحين، وجعلها أملاكا للدولة، رغم ان صعوبات واجهته من داخل المؤسسة في المضي بمشروع الثورة الزراعية.
ليس تشابه التجربتين والمرحلتين، وكلتاهما أدت لتحويل بلاد فارس من نظام كسروي إلى نظام إسلامي، مقتصرا على السلوك الخاص والسمات الشخصية كالورع والزهد والتواضع وإنما في تشابه الاجراءات كما أسلفنا.
ونضيف ان الخميني لم يوص بدور لابنه في خلافته، وإنما ترك الأمر لمجلس الخبراء، الذي يشبه مجلس الشورى عند عمر، وكما أُبعد عبدالله بن عمر عن دور أساسي في اختيار الخلف، أبعد أحمد الخميني عن دور له حسب وصية والده.
وتوفي عمر، ولم يترك إرثاً لأحد من أبنائه، وهو الذي كانت عليه عائلة الخميني بعد رحيله.
وعلى ما كانت عليه مهابة عمر وعلو مكانته مؤسسا لأول دولة عربية بالخارطة الحالية للوطن العربي، وعلى ما فيه من شجاعة ونفوذ، فقد سمحت بعض قوى العراق ومحلات بغدادية بجعله شخصية كاريكاتورية، ومادة للكوميديا الجاهلية، تغري الصبيان والسوقة بتسخيفه والضحك عليه، سُمح أيضاً، وفي البلد نفسه، لأن يتحول الخميني بتقواه ومهابته وشجاعته وزهده وعزمه، إلى مادة للكوميديا، في مسرحيات يشترك فيها سقطة القوم بسفسان الكلامraquo;.
ويتابع العلوي: laquo;ولو كان الخميني في دوره هذا فقيهاً عربياً سنياً، وثورته في بلد عربي سني، لنعمت الأمة بعصر جديد من العصور المحمدية العلوية، وقد أحال بينه وبين هذا الحلم أنه إيراني، والمنطقة عربية، وشيعي والمنطقة سنية، ولهذا كنت أكرر القول في نشاطي السياسي والإعلامي، ان حرب النيابة الأميركية لتحجيم ثورة الخميني لم تكن ضرورية، فهذه الثورة محجمة بالعاملين إياهما، ومحددة الحركة بحدود إيران، وبالحجم السكاني للمسلمين الشيعة في المحيط السني الواسع.
وفي الختام سيكون الاعتراف أو السؤال: بأن الخميني، مادام من أتباع الإمام علي، فلم جعلتم مشترك إجراءاته شبيها لسنة عمر ونهجه، ولماذا قد أقحمنا عمر فيها؟
فأقول: إن الجواب هو السؤال فحيثما كان الفقيه ملتزما بالسياسة الإسلامية، مقيدا بقيودها، فسيكون صعبا تصنيف اتجاهات الدولة إلى علوية وعمرية، لتوحدهما بتوحد المصدر.
وسيكون في الوقت ذاته، سهلا على المصنفين أن ينسبوا المنهج السياسي وأسلوب الحكم إلى أي منهما، فيكون محسوباً على الإمام علي أم على عمر بن الخطاب.
وسيكون من باب التوفيق، والإصابة لمنهج الكتاب، وعنوانه، ومضمونه أن العلوي الخالص لوجه الله والمحمدي المتصل بعقيدته هو العمري الخالص لوجه الله المتصل بعقيدته.
وفي غير ذلك، فالمسلمون على نهج التنقيص، سواء كان المستهدف علياً أم عمر.
ان التركيز على هذا الفصل هو خلاصة هذا المنهج، الذي يأبى المتنقصون من الطرفين أن يطلوا عليه بروح محمدية وبروح الحياد المنهجي.
ولو كان حكام العراق على هذا الفهم، أو لو كانوا عمريين، لحافظوا على ابقاء الخميني في ظاهر الكوفة، يقود المسلمين من العراق كما فعل عمر من قبل، لا أن يطرد إلى بلد غير عربي، وغير مسلم، فتفقد الكوفة دوراً مفصليا لها، كان يمكن أن يتصل بدورها الأول، وباعتبارها قاهرة الدولة الساسانية.
لم أكن أجهل هذا ونحن في الأيام الأخيرة من صلتنا المشتركة مع صدام حسين، وكان نائبا للرئيس فسألته هذا السؤال، وكنا على الحدود الإيرانية، لماذا لم ندعم الثورة الإيرانية، وهي تطارد مؤسسات الموساد والمنظمات الماسونية والدعاة الاسرائيليين هناك. فقال بالنص الحرفي: laquo;إن ربعك غشونيraquo; فمن هم ربعي؟
ربما قصد بهم علماء الحوزة المتواطئين مع السلطة، والذين كانوا يهزؤون من الخميني ونفوذه، أو من المنظمة الحزبية في النجف التي كتبت لصدام حسين شيئا من هذا القبيل. فلم يتصور أن للخميني هذه القدرة.
وتقضي الصدف، بلغة علمانية، وإرادة الله، بلغة دينية أن تكون مدة ولاية عمر على رأس الدولة تمتد إلى 128 شهراً. وولاية الخميني تمتد إلى 136 شهراً. فيقترب الزمان بالمكان وتتقارب التجارب، ولم يترك سوى أشهر قليلة هي بقدر الخلاف في الاجتهاد بين تجربتين عاشتهما إيران في صراعها ضد السلالات الكسرويةraquo;.
على خطى عمر
يشير العلوي إلى انه laquo;كما رفض عمر أن تفرش على عباءته في المسجد النبوي تيجان كسرى وصولجانه وخزائن الماس والذهب، رفض الخميني أن يقترب من رؤية هذا العرش المرصع بالماس. وكما فضل عمر بن الخطاب صحن الخزف على الأواني المصنوعة من الذهب والمرصعة باللؤلؤ، فتركها ووزع ثمنها للمستحقين، أو أعادها إلى بيت المال، وجلس على حصيرته في المسجد النبوي، يقضم كسرة الخبز اليابس ويرطبها بقليل من اللبن في صحن الطين، جلس الخميني على حصيرة في مصلى جمران ووجبته وجبة عمر، وهي وجبة النبي (صلى الله عليه وسلم) يشارك ابنته وزوجها.
وكان بعض فقهاء التشيع في إيران والعراق قد طعنوا الخميني بالتحريف، ولأن الخلاف في الحوزات الدينية يتخذ طابعا تشهيريا، تطرف بعضهم، فصار يطالب بتطهير الكأس التي يشرب ابنه مصطفى منها، اشارة إلى ارتداده عن الدين فتحاشوا حضور دروسه ومجالسه إلا القليل منهم.
وفي السياق نفسه، واجه الخميني بعد الثورة الإسلامية في إيران، خصومات فقهية لدىغالبية الفقهاء المحافظين الذين ينكرون عليه إقامة الدولة الإمامية بغياب (الإمام المعصوم)، وهم من يصطلح عليهم بـ (الحجتية)، فضلا عن عامة فقهاء التشيع الذين لا يأخذون بالولاية المطلقة للفقيه، ويحصرونها بالأحوال الشخصية من دون التوسع بها.
ان ولاية الفقيه حسب المنظور الخميني، والتي يتطير من ذكرها الفقهاء شيعة وسنة، هي الاسم الشيعي الذي استخدمه الخميني بما يعادل مفهوم الخلافة السنيةraquo;.
ويوضح العلوي laquo;ان المفكر والمرجع الإسلامي السيد محمد حسين فضل الله يقول في كتاب ثورة الفقيه ودولته الذي ساهم كاتب السطور بتدوين فصل مع كتاب آخرين: انه أي الخميني كان يترك للمسؤولين أن يعيشوا تجربتهم، وكان يراقبها، فإذا أخطأوا في موقف أو كلمة أو ما أشبه ذلك كان ينبههم.
ومن الايجابيات الكبيرة التي تسجل له أنه كان ينبههم إلى ذلك من خلال الشعب أو في الهواء الطلق، ولم يكن ينبههم في السر، حتى يتعلم الشعب ألا يعيش المجاملات وأجواء ما وراء الكواليس، بل كان يؤمن بالوضوح. فلما كان واضحا مع الناس. كان يريد للمسؤولين أن يكونوا واضحين معه. وكان يريد أن يكون واضحاً مع الشعب في تنبيه المسؤولين على أخطائهم.
وفي سياسة التعيينات ينهج الخميني أسلوباً مر بمرحلتين فقد اختار في أول الأمر التكنوقراط والليبراليين وأهل الادارة، وان لم يكونوا من قدامى الإسلاميين، فاختار الليبرالي مهدي بازركان لرئاسة الوزراء، وبني صدر لرئاسة الجمهورية، وإبراهيم يزدي للخارجية، ففشلت التجربة، فعاد إلى الأدوات الإسلامية من رجال الثورة ليكونوا على رأس قيادات الدولة ومراتبها المتقدمة.
ولعل شجاعته، كما يقول السيد فضل الله، أنه كان يتراجع عما يتبين فشله من خلال التجربةraquo;.
الشهادة العمرية
يؤكد العلوي ان الاجماع التاريخي يشير إلى أن قاتل الخليفة عمر بن الخطاب فيروز أبو لؤلؤة المجوسي مولى المغيرة بن شعبة بخنجر مسموم انتقاماً لقومه.
ورغم ان العلوي يناقش كل الاحتمالات التي تتحدث عن الاغتيال إلا انه يلفت إلى مسألة وهي: laquo;هل استشرف الإمام علي مصير صاحبه الذي ستقتله بلاد فارس، فحذره قبيل معركة نهاوند عام 21 للهجرة، من التوجه إلى أرض الميدان وقيادة جيش الفتح، وتحصين المدن المفتوحة لمواجهة حركة انتقاض فيها أوشكت أن تهدد مركز الكوفة؟
لقد أصغى عمر بن الخطاب لرأي الإمام، وأخذ به، وانت أمير العرب واصل العرب فإذا اقتربت منهم اشتد كلبهم عليك... وانفرط العقد والنظام! وكأن مسامع الهرمزان الذي كان حاضراً في المسجد النبوي قد اتسعت مرتين لالتقاط الإنذار، ولعله فكر بطريقة أيسر، فإذا لم يذهب laquo;المطلوبraquo; سنذهب إليه، ولماذا نذهب؟ ونحن على بعد ذراعين منه غير محروس، وغير مسلح... وخفق الخنجر المسموم- غير خفق الدرة!raquo;. لقد استمر الإمام علي ودعاة المشاركة بعد اغتيال رفيق دربه عمر، يقول هاشم معروف الحسني: laquo;لقد وقف علي (ع) بين تلك الجماهير التي احتشدت في ذلك اليوم يخاطبهم بالمنطق السليم، الذي اعتاد أن يخاطب به الناس، ليكشف لهم الخط الذي سيمضي عليه في هذا العهد الجديد، فقال: أيها الناس لقد علمتم أني أحق الناس بهذا الأمر من غيري، أما وقد انتهى الأمر إلى ما ترون، فوالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن جور إلا علي خاصة التماسا لأجر ذلك وفضله وزهدا فيما تنافستموه من زخرفة.
وهكذا سالم أمير المؤمنين (ع) وبايع لعثمان كما بايعه الناس ومضى في السبيل الذي اختاره لنفسه يعمل ماوسعه العمل في سبيل الصالح العام، لا يبخل عليهم بآرائه، ولا بكل امكاناته إذا أرادوها في سبيل الإسلام وانتشاره كما سالم وساير من كان قبلهraquo;.













التعليقات