أمير طاهري
بدون أن يقصد القيام بذلك دفع السناتور هاري ريد، زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي، الجدل بشأن الحرب في العراق بعيدا نحو اتجاه جديد. ويزعم السناتور ريد أن الحرب جرى خسرانها، وان الولايات المتحدة مهزومة.
وبطرح ذلك الزعم، نقل السناتور الجدل بعيدا من الهوس الأولي المناهض للحرب بالخلافات القانونية والدبلوماسية التي سبقتها. ولم يعد ريد مهتما بالكشف عن اثم ادارة بوش المفترض في استغلال المعلومات وتجاهل الأمم المتحدة. وقد أبعد ريد نفسه عن مثل هذه الشخصيات المناهضة للحرب منذ وقت مبكر مثل هوارد دين ومايكل مور.
وفي الوقت نفسه، ابتعد ريد عن زعماء ديمقراطيين مثل السناتور هيلاري كلينتون التي دعمت الحرب ولكنها تزعم الآن ان ادارتها كارثية. وما يعنونه ضمنا ان رئيسا ديمقراطيا سيفعل افضل مما فعل جورج بوش ويحقق النصر في الحرب.
غير ان موقف ريد الجديد يعني انه حتى رئيس ديمقراطي يمكن ان يكون عاجزا عن ضمان نصر اميركي في العراق. وبالنسبة له، فان العراق ضاع على نحو بحيث لا يمكن استعادته.
واثنى بعض المحللين المناهضين للحرب على ريد بخصوص ما يصفونه laquo;وضوح فهمهraquo;.
غير ان تفحصا دقيقا يمكن أن يظهر أن ريد ربما كان قد اضاف شيئا آخر الى التشوش الذي ابتلي به حزبه بشأن القضية منذ البداية.
وبسبب ان في كل الحروب منتصرين ومهزومين، فان المطلوب من ريد، الذي شخص الولايات المتحدة باعتبارها المهزوم، ان يشخص المنتصر. وهذا ما لا يمكن أن يفعله ريد.
والسبب يعود، أيا كانت الطريقة التي ينظر بها المرء الى الموقف، هو ان الولايات المتحدة وحلفاءها العراقيين، أي الأغلبية الساحقة من العراقيين، يبقون المنتصرين الموضوعيين وحدهم في هذه الحرب. ولا يمكن لريد ان يشخص laquo;القاعدةraquo; باعتبارها المنتصر بسبب ان المنظمة الارهابية أخفقت في تحقيق أي من أهدافها.
فلم تكن قادرة على ايقاف عملية الدمقرطة، التي ميزتها طائفة من الانتخابات، وفشلت في تحطيم المؤسسات التي اقيمت في عهد ما بعد صدام والتي ما تزال هشة. كما ان laquo;القاعدةraquo; تعاني من اخفاق متزايد في اجتذاب مجندين جدد، بينما تواجه ضغطا من العشائر العربية السنية، خصوصا غرب الفرات.
وفي الاطار العسكري، فشلت laquo;القاعدةraquo; في السيطرة على اية ارض وخسرت السيطرة التي مارستها فترة وجيزة في مناطق مثل الفلوجة وسامراء. وربما يتمثل الأكثر اهمية في ان laquo;القاعدةraquo; اخفقت في اعداد برنامج سياسي، وركزت، بدلا من ذلك، على حملتها في الارهاب العشوائي الأهوج. ماذا عن بقايا النظام الصدامي؟ هل يمكن لريد ان يعتبرهم منتصرين؟ يصعب ذلك. وما بقي من حزب البعث انقسم الى أربعة اطراف متصارعة يقف على رأسها زعماء متنافسون في المنفى. (أحد الأطراف يريد، في الواقع، بقاء الأميركيين في العراق حتى يتمكن العراقيون من الدفاع عن أنفسهم ضد laquo;القاعدةraquo; والخمينيين!).
كما أن بقايا الحرس الجمهوري تفرقوا. فقد انضم بعضهم الى جيش المهدي الذي يقوده مقتدى الصدر. وشكل آخرون مجموعات لممارسة الجريمة أو فرق الموت بدون طموحات سياسية واضحة.
وقد يعتقد ريد أن ايران، وحدها او مع حليفتها سورية، هي المنتصرة. وإذا كان الأمر على هذا النحو، فان ريد يشارك في الوهم الذي ينشغل به محمود احمدي نجاد، رئيس الجمهورية الاسلامية المثير للفتن.
وتحت قناعة أن الأميركيين سيهربون، بفضل مناورات ريد وأصدقائه، بدأ أحمدي نجاد بسياسة هجومية في العراق وعبر المنطقة ككل. فعن طريق ظهوره الإعلامي المكثف، يريد أن يتوثق من أن إيران تجني ثمار ما يزرعه ريد في واشنطن.
لكن حتى مع ذلك، فإن أغلبية العراقيين لن يعترفوا بأحمدي نجاد منتصرا. وإيران لا تستطيع أن تتصرف كمنتصرة فقط لأن ريد يقول ذلك.
من الممكن أن يكون ريد قد تصور أن مشاكله التحليلية مبسطة جدا لأنه شخّص من هو الخاسر في الحرب. والحقيقة أن مشاكله بدأت الآن. عليه أن يخبر الأميركيين لأي طرف هم يريدون أن يستسلم الجيش الأميركي في العراق.
يجب القول إن سعي ريد المتهالك لانتزاع هزيمة من فكي انتصار هو أمر غير مثير للدهشة. فحزبه يطالب بهزيمة أميركية في العراق من أجل أن يفوز بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية. فما يعتبره laquo;حرباraquo; هي في الحقيقة laquo;نتيجة لثلاث حروبraquo;.
الحرب الأولى هي حول تبديل الأمر الواقع في العراق. فالولايات المتحدة نجحت في تدمير نظام صدام حسين منهية المواجهة التي كانت قائمة بين العراق والأمم المتحدة والتوثق من أن العراق لا يواصل إنتاج ونشر أسلحة الدمار الشامل. والنصر تحقق في صيف 2003 مع الانتهاء من التحقيق الذي قادته الولايات المتحدة حول برامج أسلحة الدمار الشامل.
أما الحرب الثانية، فأثيرت على يد القوى التي أرادت منع الولايات المتحدة من خلق أمر واقع للعراق تكون الأفضلية فيه لصالح أغلبية العراقيين. وهذه الحرب انتهت أيضا بانتصار الولايات المتحدة حينما انتهت بإجراء انتخابات حرة، وأخيرا جاء ظهور حكومة عراقية ديمقراطية عام 2006.
أما الحرب الثالثة، فبدأت بعد نهاية العام الماضي حينما وجدت القوى اليائسة التي راحت تحارب الحكومة الديمقراطية، تجد نقطة تقارب جديدة سعيا لطرد الأميركيين من العراق. أدركت إدارة بوش اللعبة وردت عليها بسياسة laquo;الزيادة الكبيرةraquo; لقواتها في بغداد.
وعلى عكس الحربين السابقتين، تهدف الحرب الثالثة إلى طرد القوات الأميركية من العراق. وضمن هذا السياق، اقامت laquo;القاعدةraquo; وفيلق حرس الثورة الإسلامية الإيراني وعملاؤه في العراق تحالفا غير رسمي مع بقايا الصداميين وعصابات الجريمة والشوفينيين الداعين إلى كيان شيعي واحد ومجاميع صغيرة من العراقيين الذين حاربوا تحت مشاعر قومية حقيقية لكن بدوافع ضالة.
وعلى الرغم من العنف المستمر، فإن الولايات المتحدة والحلفاء العراقيين يحققون انتصارات كثيرة، فإن أعداءهم مثل رجل في كازينو، تمكن من الفوز بكومة عالية من الفيشات من خلال لعبة الروليت لكن أمين الصندوق يقول له إنه لا يستطيع تحويلها إلى نقود.
ما زال الإرهابيون والمتمردون والعصابات الإجرامية والشوفينيون وأمثالهم يقتلون الكثير من العراقيين. لكنهم لا يستطيعون أن يحولوا عمليات القتل هذه إلى انتصار سياسي لصالحهم. فمناطق نفوذهم تتضاءل والأمكنة التي يمكنهم أن يختفوا بها أصبحت أضيق فأضيق. وهم بالتأكيد لا يستطيعون أن يخرجوا الأميركيين. ولا تستطيع أي قوة في العالم أن تقوم بذلك. باستثناء أن يتمكن هاري ريد من تحقيق ذلك لصالحهم.













التعليقات