سليمان جودة


يعرف الأستاذ جمال البنا جيدا، أن موقع الضبعة ليس هو الموقع الوحيد في مصر، الصالح لإقامة مفاعل نووي عليه، ويعرف ما هو أهم، وهو أننا لسنا في حاجة إلي مفاعل نووي واحد لتوليد الطاقة، وأننا في حاجة إلي خمسين مفاعلا علي الأقل، لمواجهة نقص موارد الطاقة بعد سنوات، يعرف عددها الخبراء!

وأعتقد أن كثيرين، قد أصابتهم دهشة بالغة، حين طالعوا الأستاذ البنا، وهو يحذر في laquo;المصري اليومraquo; صباح أمس، من استثمار موقع الضبعة سياحيا، لأن ذلك -في تقديره- سوف يحوله إلي كباريه!

وهو يذهب لأبعد من ذلك ويقارن بين ما يقوم به أحمدي نجاد في إيران، التي تنشئ المفاعلات النووية غير مهتمة بالضجة العالمية حولها، وبين المسؤولين في مصر، الذين يضحون في رأيه بموقع الضبعة رغم أننا لا نملك بحارا من الغاز والبترول بمثل ما تملك طهران.

إنني أحمل احتراما هائلا للأستاذ البنا، وأراه عقلا عظيما في رؤيته، حين يتصدي لأمور الدين وتفسير القرآن، وأتمني لو أجده يوما، في موقع شيخ الأزهر، أو المفتي، أو أجد رجلا يشبهه في هذين الموقعين علي وجه الخصوص، ولكن حين يخوض الرجل في أمور الاقتصاد والسياسة بمثل هذا الخلط، الذي لا يجوز أن يقع فيه عقل كبير مثله، فهذا ما لا يجوز أن نسكت عليه بأي حال،

فالدنيا كلها تعرف أن طهران لديها من الغاز والبترول ما يجعلها مطمئنة إلي رصيدها منهما، ربما لمئات السنين، وهي بالتالي ليست في حاجة إلي استثمار سياحي حقيقي من أي نوع يجلب لها دخلا، بالدرجة التي نظل -نحن في مصر -في حاجة شديدة إليه، ولذلك فالمقارنة بين القاهرة وطهران في هذا المضمار بهذه الطريقة خاطئة، والقياس بينهما لا يقوم علي أي أساس.

إننا لا ننكر أن موقع الضبعة يصلح لإقامة مفاعل نووي عليه، وهناك من يقول إنه يصلح بامتياز، ولكن هناك عدة حقائق لابد من الالتفات إليها بموضوعية ونحن نتكلم في هذا الشأن حتي لا تتوه الأمور بعضها في بعض.

الحقيقة الأولي: أن المفاعلات النووية ليس مطلوبا فيها أن تقام في مواقع سياحية فريدة، مثل موقع الضبعة، فالمفاعل النووي -أي مفاعل- نستطيع أن نقيمه في أحقر مكان في البلد، لأنه لن يكون مزارا ولن يكون موقعا يتوافد عليه السياح، وإذا كانت المسألة مسألة كرامة في المواقع بالنسبة للمفاعلات النووية، فلماذا لا نقيم المفاعل في ميدان التحرير ونستريح؟!

والحقيقة الثانية: أن أي مكان مهجور يمكن أن يصلح لإقامة مفاعل نووي عليه، ولكن الاستثمار السياحي في بلد، مثل مصر، يحتاج إلي مواقع ذات صفات خاصة ومزايا فريدة، وإلا ما الذي يرغم المستثمرين علي المجيء إليك؟!

الحقيقة الثالثة: أنه ليس صحيحا أن الضبعة سوف تتحول إلي كباريه، إذا جري استغلالها سياحيا، فالصحيح أنه يمكن أن تكون موقعا لصناعة سياحية عصرية من طراز رفيع، ولا أزال عاجزا، عن استيعاب أن تكون السياحة عند صاحب عقل مستنير، مثل الأستاذ البنا هي مجرد كباريهات!!

الحقيقة الرابعة: أن هناك تصورا غريبا لدي كثيرين، ومنهم الأستاذ البنا بالطبع، يتخيل أن المفاعل النووي إذا لم ينهض علي موقع الضبعة فلن يقوم، وأننا إذا لم ننشئ المفاعل النووي هناك، فكأننا سلمنا الموقع لليهود! وهو منطق منحرف، كما نري ولا ينظر إلي الأمور بأي درجة من الموضوعية أو الحياد.

إن ما يصلح للاستثمار السياحي في مثل ظروفنا يحرم علي المفاعل النووي تماما، كما أن ما يحتاجه البيت يحرم علي الجامع!! وإذا كان هناك من يملك رأيا آخر، فأرجو أن نسمعه، فالتعامل مع الاستثمار الأمثل لموقع الضبعة، ينبغي أن يكون بالعقل الهادئ، الذي يتدبر الأمور ويدرسها بعناية، وليس بالعاطفة الجياشة التي تخلط بين الأولويات وهي تتدفق، بلا تفكير يحكمها، ولا سياق يضبطها.