سليمان تقي الدين
تشكّل الدولة الحد الفاصل بين التوحش والحضارة. الدولة هنا بمعناها البدائي، أي الهيئة المعنوية التي تحتكر العنف، وتنظم وتدير الاجتماع السياسي، مدّعية لنفسها أنها تمثل الشأن العام أو الخير العام. بعد هذه الوظيفة الأولية يمكن للدولة أن تكون التحقيق الأكمل أو التجسيد الأمثل لفكرة الحرية كما يقول هيغل، أو الإطار النظري لاكتمال الوجود القومي، أو المكان الذي تتواجه فيه أو تتكامل المصالح الاجتماعية المختلفة. هذا المفهوم الواسع المتعدد للدولة يفترض أنه يسبق النظام السياسي مهما كانت طبيعته، وهذا ما افتقدناه ونفتقده في لبنان منذ تشكل هذا الكيان في ظل الصيغة الطائفية.
لقد وجد اللبنانيون دائماً صيغة سياسية ملائمة للشراكة السلطوية في ما بين النخب الطائفية، من خلال التسويات التاريخية التي أعقبت الأزمات الوطنية. لكنهم حتى الآن لم يجدوا لأنفسهم صيغة للدولة ترعى الاجتماع السياسي وتحفظه خارج آليات الحروب الأهلية المتواترة.
نعرف الأسباب التاريخية التي أدت إلى وضع المادة 95 من الدستور عام .1926 لقد كان مطلباً إسلامياً يضمن شراكة المسلمين المنضمين من الملحقات وولاية بيروت إلى جبل المتصرفية، يوم كانت نواة الدولة مسيحية شبه صافية. ورغم هذه الضمانة سارت الدولة بقيادة مسيحية حتى خمسينيات القرن الماضي، فظلت فكرة الوطنية اللبنانية ناقصة والولاء للدولة مشروطاً. ولم تتعزز الشراكة الإسلامية بقيادة النخب السنيّة إلا في ركاب الموجة القومية العربية في عهد عبد الناصر وإثر تجربة .1958 مع الشهابية (عهد الرئيس فؤاد شهاب) كانت أول محاولة لبناء الدولة على قاعدة laquo;الطائفية العادلةraquo; بإرساء تقليد يفصل المؤسسات عن الجماعات الطائفية ويغل يد الإقطاع السياسي والطائفي عن استتباع الإدارة العامة.
لكن الديموقراطية اللبنانية التي كانت تتغذى من قوة الطبقة الوسطى وحضورها، انتكست نكستها الكبرى عندما صار للطوائف أظافر وأنياب، أو صارت الديموقراطية laquo;مسلحةraquo; سواء بالسلاح المسيحي الذي جاوز حدود الدولة، أو بالسلاح الفلسطيني الإسلامي الذي جاوز حدود الكيان.
أرسى laquo;الطائفraquo; مشروعاً نظرياً لبناء الدولة بعد الحروب اللبنانية المركّبة، وقال صراحة إن المواطنين هم قاعدة هذا المشروع، وأن الطوائف يجب أن تنزوي في المكان الأمثل لحضورها الفعّال وفي القضايا المرتبطة بخيارات تبدّل هوية الكيان والنظام أو تمس الحريات الأساسية، لا سيما الدينية، أو الضمانات المتعلقة بالعيش المشترك، وأسند مهمة ذلك إلى مجلس للشيوخ.
لقد اعترف laquo;الطائفraquo; بهوية مركّبة للبنانيين فألزم الدولة أن تعبّر عن هذا الازدواج في شكلين من التمثيل مدني وطائفي. الأول هو حقوق المواطنين والثاني هو ضمانات الطوائف. لكن لدواع إقليمية ودولية لم يطبق laquo;الطائفraquo; وتحول إلى توازنات سياسية طائفية جديدة في السلطة. وخلال سنوات طويلة من عهد الوصاية، ومن الاحتلال الإسرائيلي لجزء من الجنوب، تخلت الدولة عن وظائف أساسية فاجتزأت الصالح العام والشأن العام وقامت بتوزيعه على قوى السلطة والجماعات المكوّنة لها.
لا شك أن السلاح الخارج عن إطار مؤسسات الدولة يطعن في مركزيتها وفي وظيفتها الأساسية، كما أن laquo;الطائفيات المسلحةraquo; المحتكرة للتمثيل الطائفي والمناطقي تشكّل انتقاصاً من حضور الدولة. فلا المركزية السياسية قامت وسط تنازع الجماعات واقتسامها للسلطة، ولا التداول السلمي للسلطة كان متاحاً نتيجة هذه التعددية. ولم تعد الحياة السياسية ممثلة بكتل تتنافس على برامج حياتية مدنية، بل على مقدسات ومصالح كتل طائفية صلبة.
وبعد غياب آليات التحكيم الخارجية، أفلتت لعبة الصراع على الدولة من عقالها. ودخلت البلاد أعلى منسوب من التعصب الطائفي ما يتعذر معه الآن إيجاد مساحات مشتركة بين القوى السياسية الفاعلة. لكن اللبنانيين هم أمام الحصاد المرّ لنظامهم الطائفي الذي بات الأعلى كلفة عليهم اقتصادياً وأمنياً. وهو يهددهم بوجودهم ومصيرهم وأرواحهم وممتلكاتهم ولا من رادع يردع إلا التوازن القلق من احتمالات الأذى المتبادل.
لم تعد الطائفية مجرد عائق في وجه التقدم والديموقراطية والممارسة السياسية السلمية، صارت laquo;هوية قاتلةraquo; لجميع اللبنانيين، وصار لزاماً عليهم أن يخرجوا من أسرها حالاً. لكن أخطر ما يمكن التفكير به هو الخروج من أحكام laquo;الطائفraquo; قبل ضمان خارطة طريق آمنة.
وإذا كانت حكومة الوحدة الوطنية تحمل دلالة سياسية ترجّح فريقاً على آخر، كما يقول البعض، فليس هناك من أفق مفتوح لتجاوز الأزمة إلا بحكومة انتقالية حيادية يكون برنامجها تطبيق laquo;الطائفraquo;، لا سيما في مفاصله الإصلاحية وتوازناته الوطنية، بديلاً لمسار خطر هو تعدد الرئاسات والحكومات وربما الدويلات.
لقد ارتفعت جدران الانعزال الطائفي والمذهبي في النفوس، وبدأت تفيض على الشارع، وعلينا التفكير بمنع تشكّلها على أرض الواقع.
- آخر تحديث :













التعليقات