خيري منصور

ليس جورج أورويل وحده من انفرد بنقد الخطاب السياسي ولغته الفجة في عصره، فالعرب المعاصرون أصاب بعضهم ضيق التنفس من هذا الخطاب الذي نكل باللغة، وجرها وراءه وهي فاقدة الحول والقوة.

قبل أعوام كتب صلاح عيسى عن الهجاء المتبادل والتبادل المتكافئ في الاتهامات، واليوم يكتب د. عبدالسلام المسدي عن المسألة ذاتها لكن من خلال مقترب آخر يليق بمنهج أكاديمي رصين. مؤتمرات القمة العربية التي شهدت هجاء متلفزاً وصريحاً هي واحدة من المحطات التي حاول الدكتور المسدي إضاءتها لكنه بقي متحفظاً، وتاركاً الغوص في الشعاب والتفاصيل لآخرين بعد أن فتح لهم الباب على مصراعيه.

لقد عرفت الأحزاب السياسية العربية في العقود الخمسة الماضية ضرباً من النقائض الهجائية التي أتقنها الفرزدق وجرير، لكنها أضافت إليها الكثير، فليس أسهل من التخوين غير التجريم والتأثيم.

ويبدو ان فصاحة الهجاء تندفع إلى أقصى تجلياتها في مناخات الكبت، وغياب الديمقراطية، لأن الأفراد يتوهمون احتكار الصواب والحقائق، ولا يختبرون صلاحية وصدقية أفكارهم بالاحتكاك والحوار، ونقد الذات.

والهجاء لا يتوقف عند نسبة الرذائل إلى شخص ما أو جهة ما، لأنه يتحول إلى إعدام معنوي وابادة رمزية، مما يجزم بأن الدكتاتور ليس مجرد فرد استثنائي في مجتمعه، لأنه تعبير عن ثقافة وتربويات ومقولات شائعة تحولت إلى أعراف وسطت حتى على القوانين.

ان الباب الذي فتحه عبدالسلام المسدي يتيح للعديد من الباحثين العرب وراصدي الحراك السياسي في العالم العربي ان يفحصوا عينات من خطاب سياسي بالغ الرثاثة، ويفتقر إلى أدنى حدود المنطق. والتفسيران السائدان سوسيولوجياً وسايكولوجياً لهذه الظاهرة الوبائية يتوقفان عند السجال النظري المجرد، ونادراً ما يغامر الباحث العربي في تقديم أمثلة حية تبرهن على فساد الخطاب السياسي وما ألحقه باللغة من شلل وتوقف عن النمو ومراوحة.

وباختصار فإن العرب شتموا أنفسهم وبعضهم خلال العشرين سنة الماضية أكثر مما شتموا غزاتهم وأعداءهم، لأن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة، ولأن الموروث الجاهلي لم ينضب بعد، وأيام العرب وجدت من يعيدون إنتاجها في عز الحداثة وما بعدها.

والهجاء السياسي المتبادل هو ملاذ من يفكرون بقلوبهم لأن عقولهم تنعم بعطلة طويلة، وأحياناً تتولى الغرائز المهمة لأنها سريعة الاستجابة، وذات أفق محدود وأحادية البعد.

وقد تكون الشخصنة وهي النقيض للتعامل بواسطة المفاهيم هي أحد أسباب هذا الهجاء الفصيح، لأنها تختزل الأفكار وأحياناً مراحل من التاريخ في فرد واحد.. سواء على سبيل ما يسمى الترميز أو تبعاً لأدبيات التوثين التي تتعاطى مع الزعيم باعتباره صنماً ولا شيء آخر.

ولدينا في هذه الحقبة الفضائية أو الفضائحية بمعنى أدق نماذج من التراشق بمفردات الهجاء وحجارته ما يكفي للدلالة على أن ثقافة الاعتراف والمشاركة لم تحل بعد مكان ثقافة النبذ والإقصاء والإعدام المعنوي. وأخطر ما بلغته فصاحة الهجاء السياسي في أيامنا هو ما قدمه د. المسدي من عينات القمم العربية، رغم أن المخفي أعظم وما يدور وراء الكواليس أضعاف ما نعرف ويعرف د. المسدي نفسه.