جهاد الخازن

مرة أخرى أجد أنني عندما أكتب عن لبنان وسورية أتلقى بريداً من قرّاء ينطلقون من المقال لإعلان تأييدهم هذا الطرف أو ذاك، ومعارضة الطرف الآخر.

بعض القرّاء لا يكاد يقرأ ما أكتب قبل أن يعلن موقفه، لأن معلوماتي لن تزحزحه عن قناعاته قيد أنملة. وبعض هؤلاء يهاجمني لأنني لست معه في الخندق الذي اختاره لنفسه.

وما كنت لأعود إلى الموضوع اليوم لولا نقطة واحدة أراها مهمة، فأنا أفهم أن يتخذ القارئ أي موقف يريد. وأنا لست من الغرور أن أدعي ان رأيي وحده هو الصائب، إلا أنني أرفض أسلوب التخوين، تخوين الغالبية أو المعارضة، فلا خونة هناك، وإنما خلاف عميق واسع وأخطاء متراكمة.

القارئ يفقد حجته إذا اتهم طرفاً بالخيانة لمجرد ان له رأياً مختلفاً، والقارئ عادة يعرف طرفاً واحداً هو الطرف الذي ينتمي إليه، أما أنا فأعرف الطرفين في لبنان بحكم الصداقة والعمل، وأعرف الطرف السوري جيداً، ولي ملاحظات على أداء كل طرف، إلا ان رأيي في الأداء شيء، وتهمة الخيانة شيء آخر، فهي كبيرة جداً.

ونقطة على الهامش تكاد تكون ظريفة لولا جدية الموضوع، فالقارئ من طرف واحد عادة ما يتهم الطرف الآخر بأن له علاقات خارجية أو ولاءات.

هذا صحيح، إلا أن هذه شنشنة لبنانية قديمة، وكل طرف في الخلاف الحالي له علاقات خارجية، وينسق مع أطراف خارجية، ولا يمكن اتهام الغالبية وحدها بالولاء الخارجي أو حزب الله وحده، لأن الجميع، في هذه النقطة بالذات هم في مركب واحد.

شخصياً أرجو أن تكون العلاقات الخارجية تحالفات، لا ولاء أو تبعية.

على الأقل، القراء اتفقوا معي عندما كتبت هاذراً عن تنقلي بين دمشق وبيروت، والقارئ محمد المفتاح، وهو مهندس سوري يقيم في الرياض، يقول ان مانع سعيد العتيبة سبقني إلى التغزل شعراً بالشام حتى قيل عنه انه laquo;عاشق الشامraquo;، ويزيد ان السياسة تروح وتجيء ولكن تبقى حسناوات الشام.

لا أدري أيّنا سبق الآخر، مانع سعيد العتيبة أو أنا؟ فقد كتبت أن laquo;الشاميات أحلىraquo; في هذه الزاوية قبل أكثر من عشر سنوات، وأنا أكتب نثراً في مقابل شعر أخينا مانع، والحكم للشاميات. ما أزيد اليوم هو ان الواحد منا بلغ من العمر ما يجعله يرى أي امرأة دون الأربعين حسناء، وأن يكون مقياس الجمال عنده أن تقول المرأة laquo;نعمraquo; ليراها حسناء، فالواحد منا لم يعد في وسامة فالنتينو، خصوصاً انه لم يكن في وسامته عندما كان شاباً.

القارئ ارتشاف محمد يتمنى زوجة سورية تضفي على حياته بهجة، والقارئ بوهاني كاد يقع في أزمة مع زوجته وهو يقرأ مقالي ويضحك، والقارئ صبري حاسن يسأل ألا تغضب زوجتي عندما اتغزل بالشاميات؟ وأقول له ان زوجتي تغضب من كل ما أكتب حتى لو كان في انتقاد السياسة الأميركية.

القراء معي ضد السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بقدر ما هم منقسمون في لبنان. وكنت كتبت عن الذكرى الرابعة للحرب الأميركية على العراق، وعن رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي وزيارتها منطقتنا، ولم أجد رسالة واحدة تعترض على معلوماتي أو أفكاري.

أشكر القرّاء: الدكتور سعيد عبدالله سلمان، من عجمان، على كلماته الدافئة، والأخ ربيع سليم، والأخت منى علي، وصاحب الاسم الحركي laquo;عربي ديزلraquo;، والأخ أنور حبيبي. وأزيد القارئ موسى العمري الذي يقول إن اللوبي اليهودي laquo;ايباكraquo;، يسيطر على مجلسي الكونغرس عبر سلاحي الإعلام والمال، والأخ عبدالله صوالحة الذي يقول: laquo;لا أعتقد بأن بيلوسي حريصة على مصالحنا، لكن هي حريصة على مصالح أميركا وأرواح الجنود الأميركيين، وبالتأكيد أمن إسرائيل... نحن في الأردن قلقون جداً من توجيه الولايات المتحدة وإسرائيل ضربة عسكرية لإيران قريباً، فالقتال في هذه الحال سيفيض عن حدود إيران إلى الجيران الأقربين والأبعدينraquo;.

القارئ موفق الطيب يقول عن جورج بوش انه laquo;كابوس قومي وعالمي في الوقت نفسه، وقريباً ستكنس السيدة نانسي بيلوسي بوش من البيت الأبيض، وستعلن للملأ ان الكابوس انتهى. أما كوندوليزا رايس فستطير مستخدمة مكنسة بيلوسي كما طارت ساحرات ايست ويكraquo;.

أخونا موفق يحلم، وجورج بوش سيغادر البيت الأبيض تحت وقع مكنسة التاريخ، فولايته الثانية دخلت مرحلة العد العكسي، وهو كان laquo;بطة عرجاءraquo; قبل ان يخسر حرب العراق والانتخابات النصفية، وأصبح بطة كسيحة الآن.

وأخيراً، كنت عدت إلى سلسلتي عن فشل الصحافة الأميركية في التصدي لكذب الإدارة في موضوع الإعداد للحرب على العراق، وسردت الأسباب المعلنة، وزدت عليها سبباً من عندي هو ان الضحايا كانوا عرباً ومسلمين دمهم مباح.

أكبر مجموعة من رسائل القراء في الاسبوعين الأخيرين تناولت الصحافة الأميركية، ودورها في الحرب على العراق، أو غياب هذا الدور.

لكل قارئ الحق في أن يبدي ما يريد من آراء. طالما انها لا تجرنا إلى المحاكم. وحتى إذا لم تفعل فنصحي الدائم هو تجنب العنصرية واللاسامية والتطرف، وكل ما يمكن ان يرتد على صاحبه ويستعمل ضده.

التطرف يغذي بعضه بعضاً، ونحن لا نستطيع ان نرد على تطرف إسرائيل وأنصارها بتطرف مماثل، لأننا لو فعلنا لكنا نبرر تطرفها ونعطيها عذراً عنه.