د. محمد عابد الجابري

قلنا في المقال السابق quot;إن طريقة الغزالي هي التي سادت في المؤلفات الأصولية اللاحقة إلى اليوم (خارج مؤلفات الحنفية) وإن كتابه quot;المستصفى من أصول الفقهquot; قد ظل المرجع الأول والأخير في هذا العلمquot;! هذا قول صحيح بالنسبة لتاريخ السلسلة المتصلة لتاريخ علم أصول الفقه، ولكنه غير صحيح بالنسبة للممارسة العلمية في هذا العلم!
ذلك أن طريقة جديدة تماماً، سواء على مستوى المنهج أو على مستوى تصور بناء quot;أصول الفقهquot;، قد برزت واضحة مكتملة مع أبي إسحاق الشاطبي (إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المتوفى سنة 790 هـ)، الذي يمثل بحق قمة ما وصل إليه العقل العربي في ميدان الأصول.
أما لماذا بقي الشاطبي مجهولاً أو quot;منفوراًquot; منه، فذلك ما يمكن أن يكوِّن فيه القارئ الذي يجهله، رأياً خاصاً به، بعد هذا الذي سنكتبه عنه. أما الآن فقد يكفي أن نذكر ما قاله الشيخ عبدالله دراز محقق كتاب الشاطبي quot;الموافقات في أصول الشريعةquot;. لقد تساءل بعد أن أبرز أهمية هذا الكتاب وتميزه عن المؤلفات السابقة في علم الأصول : quot;إذا كانت منزلة الكتاب كما ذكرت، وفضله في الشريعة على ما وصفت، فلماذا حجب عن الأنظار طوال هذه السنين ولم يأخذ حظه من الإذاعة بله العكوف على تقريره ونشره بين علماء المشرق؟quot;، ويجيب : إن ذلك راجع إلى أمرين : quot;أحدها أن المباحث التي اشتمل عليها الكتاب مبتكرة مستحدثة لم يسبق إليها المؤلف... وجاء في القرن الثامن 790 هـ بعد أن ترسخت طريقة الأصوليين السابقين وصارت كل ما يطلب من علم الأصولquot;. وثانيهما أن كتابة الشاطبي مركزة كثيفة quot;تجعل القارئ ينتقل في الفهم من الكلمة إلى جارتها، ثم منها إلى التي تليها، كأنه يمشي على أسنان المشط، لأن تحت كل كلمة معنى يشير إليه وغرضاً يعول في سياقه عليهquot;.
إننا نتوقع من القارئ غير quot;المختصquot; (وهو مخاطبنا الرئيس في هذا المقال) أن يخرج من هذا الملخص الوجيز الذي سنخصصه للشاطبي مقتنعاً بأننا فعلاً أمام شخصية علمية في مستوى سلفه ابن رشد ومعاصره ابن خلدون. أما إذا كان القارئ ممن له إلمام بما يروج في الإيبيستيمولوجيا المعاصرة (=علم أصول المعرفة العلمية)، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتعرف فيها على الشاطبي، فإننا لا نشك في أنه سيهتز دهشة وتعجباً، لأنه سيقرأ في خطاب الشاطبي نفس المعاني التي يقرؤها في خطاب فلاسفة العلم المعاصرين. وفي هذه الحالة، فإننا نطلب منه أن يستعين برصانة فكر الشاطبي واتزانه فلا يسلك مسلك بعض الباحثين العرب المعاصرين، الذين انفعلوا عند قراءتهم الغزالي انفعالاً قادهم إلى القول بأنه quot;سبق ديكارت إلى الشكquot; وquot;سبق هيوم إلى فكرة العادةquot;! في تاريخ العلم تتشابه الأفكار فعلاً، ولكن السياق قد يختلف اختلافاً لا يترك مجالاً للمقارنة.
لنعد إلى موضوعنا ولنجمل في كلمات جانب التجديد والإبداع في منهج الشاطبي. إنه يتمثل في تطوير وتجديد التفكير في ثلاث مسائل منهجية في الفكر الأصولي الإسلامي:
المسألة الأولى سبق أن مارسها ونوه بها ابن حزم، قبل الغزالي، وهي الدعوة إلى اعتماد الاستنتاج (أو القياس الجامع)، بدل قياس الغائب على الشاهد أو الفرع على أصل. وهذه الخطوة المنهجية التي دعا ابن حزم إلى اعتمادها في ميدان الشريعة بديلاً عن قياس الفقهاء قد طبقها ابن رشد، وبمهارة في ميدان العقيدة، بديلاً عن منهج المتكلمين، الاستدلال بالشاهد على الغائب. ويأتي الشاطبي ليستلهم التطبيق الرشدي للخطوة المنهجية الحزمية ويدشن مقالاً جديداً تماماً في المنهج الأصولي قوامه :quot;أن كل دليل شرعي فمبني على مقدمتين: إحداهما نظرية تثبت بضرورة الحس أو بضرورة العقل أو بالنظر والاستدلال، أما الثانية فنقلية تثبت بالنقل عن الشارع نقلاً صحيحاً. الأولى ترجع إلى تحقيق مناط الحكم في كل جزئي فهي مقدمة صغرى، والثانية ترجع إلى نفس الحكم الشرعي، وهو يعم سائر الجزئيات التي من نفس النوع، فهي مقدمة كبرى. وينبه الشاطبي إلى أن كون الدليل الشرعي يُبنى على مقدمتين لا يلزم عنه بالضرورة أن الأدلة الشرعية يجب أن يطبق عليها ما يقرره أهل المنطق في شأن القضايا، من اعتبار التناقض والعكس وما يقررونه في شأن أشكال القياس الجامع (كما فعل الغزالي والذين ساروا على دربه)، وإنما quot;المراد ndash;يقول الشاطبي- هو تقريب الطريق الموصل إلى المطلوب على أقرب ما يكون وعلى وفق ما جاء في الشريعةquot; وأن يُتحرى فيه quot;إجراؤه على عادة العرب في مخاطباتها ومعهود كلامهاquot;. وهذا يعني أن الصياغة المنطقية في أصول الفقه لا يجب أن تحصر نفسها في quot;استثمار الألفاظquot; بل يجب أن تنفتح على معهود العرب في خطابهم ككل.
والمسألة المنهجية الثانية هي الاستقراء، وقد سبق لابن حزم أن دعا إلى اعتماده منهجاً في التعامل مع النص القرآني خصوصاً عندما يتعلق الأمر بلفظ يبدو لأول وهلة أن معناه الظاهر يختلف عما تقرره بديهة الحس والعقل، ففي هذه الحالة يجب على الأصولي ألا يسجن نفسه في الدائرة اللغوية لهذا اللفظ، بل عليه أن يقوم باستقراء وجوه استعمال ذلك اللفظ في القرآن ككل، ليهتدي بذلك إلى المعنى الذي قصده الشارع. وقد تبنى ابن رشد هذه الخطوة المنهجية ونوه بها في كتاباته الإسلامية (فصل المقال، والكشف عن مناهج الأدلة، بداية المجتهد). ويأتي الشاطبي ليوظف هذا التطبيق الرشدي للاستقراء الحزمي توظيفاً جديداً قوامه استخلاص quot;كليات الشريعةquot; التي هي quot;كليات استقرائيةquot;، (والتعبيران كلاهما للشاطبي).
تبقى المسألة المنهجية الثالثة وهي: ضرورة اعتبار مقاصد الشرع. وهذا ما ركز عليه ابن رشد بصفة خاصة في كتابه quot;الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملةquot;، فجاء الشاطبي ونقل تطبيق هذه الخطوة من مجال العقيدة إلى مجال الشريعة فدعا إلى ضرورة بناء أصول الفقه على مقاصد الشرع بدل بنائها على quot;استثمار الألفاظquot; كما دأب على العمل بذلك علماء الأصول انطلاقاً من الشافعي. وبذلك يكون الشاطبي قد خرج عن سمت المؤلفين في الأصول منذ الشافعي ليشق سبيلاً أخرى مختلفة تماماً.
كان الشاطبي واعياً بهذا تمام الوعي ولذلك لم يتردد في التصريح بأنه بصدد quot;تأصيل أصولquot; علم الشريعة. والهدف هو إعادة بناء هذا العلم بالصورة التي تجعل منه علماً برهانياً، علماً مبنياً على quot;القطعquot; وليس على مجرد الظن، وهذا ما يصرح به في أول مقدمة من المقدمات المنهجية الثلاث عشرة التي استهل بها كتابه، حيث نقرأ له أول ما نقرأ بعد خطبة الكتاب قوله: quot;المقدمة الأولى في أن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية. والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما هو كذلك فهو قطعي. بيان الأول ظاهر بالاستقراء المفيد للقطع، وبيان الثاني من أوجه: أنها ترجع إما إلى أصول عقلية وهي قطعية، وإما إلى الاستقراء الكلي من أدلة الشريعة وذلك قطعي أيضاً، ولا ثالث لهذين إلا المجموع منهما، والمؤلف من القطعيات قطعي. وذلك أصول الفقهquot;.
يريد الشاطبي أن يجعل من علم الشريعة علماً برهانياً، علماً مبنياً على quot;القطعquot; ؟ فكيف يحدد العلم؟ وقبل ذلك ما معنى quot;القطعquot; هنا؟
القطع هو الجزم. وهو ضد الظن. فإذا كان النص واضحاً لا يحتمل لفظه التأويل فهو قطعي الدلالة مثل قوله تعالى: quot;والله بكل شيء عليمquot;، ومثل الآيات التي تقرر أركان الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج، وكذا التي تقرر وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوب القسط والعدل، ووجوب اجتماع الكلمة... الخ. أما إذا لم يكن النص كذلك بأن كان فيه مجال للتأويل فهو ظني الدلالة. أما الحديث فهو قطعي السند إذا كان متواتراً، وظني السند إذا كان غير متواتر. وبما أن الأصوليين قد اعتمدوا منذ الشافعي على الاستنباط (استنباط المعنى من النص الديني) والقياس (قياس ما ليس فيه نص على ما فيه نص)، وبما أن القياس الفقهي إنما يقوم في أقوى أنواعه على quot;العلةquot; التي يظن الفقيه أنها المقصودة بالحكم، فإن الشريعة في مجملها إنما تقوم على الظن، وهذا باعتراف الفقهاء أنفسهم. وما يريده الشاطبي هو، كما قلنا، بناء الشريعة كلها على القطع وذلك بإعادة صياغة أصولها بصورة تجعل منها علماً برهانياً. فكيف استقام له ذلك؟