خيري منصور
التقرير الذي نشرته الصحف العبرية عما يسمى ميزان الهجرة، يعيد نقاطاً كانت ضالة إلى الحروف. فبالرغم من العمل الدؤوب لمؤسسات الاستيطان من أجل استقطاب أعداد كبيرة من اليهود، حدث العكس وأصبح عدد المهاجرين اليهود من فلسطين إلى خارجها أكثر من عدد المهاجرين إليها، لهذا تحاول الوكالة اليهودية ردم الهوة الآخذة في التعمق والاتساع وذلك من خلال تهجير سبعمائة ألف روسي وصلوا إلى الولايات المتحدة.
تعترف الدولة العبرية بأن أعلى نسبة من الهجرة السلبية كانت بعد حرب اكتوبر/تشرين الأول ،1973 كما أن الانتفاضة الفلسطينية لعبت دوراً في دفع اليهود إلى الهجرة المضادة بحثاً عن الاستقرار.
فاليوتوبيا اليهودية التي صورتها الميديا لم تصمد كثيراً أمام الامتحان، إذ سرعان ما أدرك يهود الفلاشا مثلاً أنهم يهود اليهود، ويعانون من اضطهاد عرقي، تماماً كما أن الوثائق الأدبية تفتضح حالة التردي التي يعيشها اليهود الشرقيون (السفرديم).
لكن ما كان قيد الكتمان لزمن طويل، أصبح الآن على السطح، ليس بفضل الشفافية داخل الكيان الصهيوني، بل لأن المهاجرين ليسوا أشباحاً، وهم قابلون للإحصاء لدى العديد من المؤسسات الدولية.
ومن المعروف أن أكثر المهاجرين اليهود من روسيا وصلوا إلى فلسطين المحتلة بعد البيروسترويكا، ومنهم من ليسوا يهوداً، بل هم مسيحيون روس جرى تأهيلهم وإعدادهم وتعليمهم العبرية.
لكن المجتمع اللامتجانس ثقافياً، والذي يعيش تفاوتاً كارثياً على صعيد طبقي، لم يتحول كما اشتهى رواد المشروع الصهيوني إلى دينامية ماصّة، بل انتهى إلى دينامية طاردة، وهذا ما اعترفت به قبل أيام صحيفة ldquo;يديعوت أحرونوتrdquo;، التي قالت ان عدد المهاجرين اليهود من فلسطين إلى الخارج يزيد بحوالي خمسة آلاف على المهاجرين إليها. وهذا رقم قابل للزيادة أيضاً، ففي معظم الحروب التي شنتها الدولة العبرية على العرب لم تكن الحصيلة ايجابية قدر تعلقها بالاستقرار وإغراء يهود العالم بالقدوم إلى أرض الميعاد، ونادراً ما يهتم الراصد العربي بارتفاع نسبة المنتحرين والشواذ والمرضى النفسيين في الدولة العبرية، لأن الاهتمام ينصب على ما يطفو على السطح، وهو غالباً الأخف والأكثر هشاشة. في اجتياح لبنان عام 1982 حدثت خلخلة واسعة في النسيج اليهودي، وشهد عليها جنود وضباط كتبوا مذكراتهم التي أدانت ذلك الاجتياح، والحرب الأخيرة على لبنان التي استهدفت حزب الله، لكنها في الحقيقة شملت لبنان كله، لا تزال ترددات زلزالها تواصل الخلخلة، وتبث مناخاً نفسياً لا يصلح لتنفيذ برنامج الاستيطان واجتذاب المزيد من اليهود إلى فلسطين.
وحسب ما قال أحد المهاجرين اليهود من فلسطين إلى الولايات المتحدة، فإن أرض الميعاد تحولت إلى أرض العذاب، والفردوس الأرضي المزعوم تحول إلى جحيم غير مرغوب في الاقتراب من لهبه، وحسب ما صرح اليابانيون فإن نصف بائعي السوق السوداء في طوكيو الذين يعاقبون بالسجن والابعاد هم من اليهود القادمين من فلسطين بحثاً عن مصدر رزق حتى لو لم يكن مشروعاً.
هكذا ذابت الأصباغ الملونة والحبر الكاذب عن خرافة اليوتوبيا اليهودية، وأصبح المهاجرون إلى الخارج أكثر من عدد القادمين من الخارج.
ولم يدرك خبراء التضليل والتلاعب بالوجدان اليهودي في الدولة العبرية أن العزف على وتر الخوف والترويع هو سلاح ذو حدين، فالمطلوب من اليهودي الذي يهاجر من أي بلد في العالم إلى فلسطين أن يحترف الخوف، وأن يضع أمنه فوق أي اعتبار.
ان الكبسولة الصهيونية المحشوة بما يسمى مضادات الدياسبورا قد انتهت صلاحيتها، وأصبح من يتعاطاها يتسمم بها بدلاً من أن يتعافى.














التعليقات