خالد القشطيني


ظرافة الفقهاء
والمشايخ وفكاهاتهم شيء معروف بيننا، وعمرت به كتب الأدب العربي. لم أكن اعلم أن لرهبان المسيحية في منطقتنا العربية مساهماتهم في الموضوع ايضا. لم اكن اعرف ذلك حقا حتى وقع بيدي كتاب laquo;دفع الهم أو الاحاديث المطربةraquo; للقس ابي فرج الملطي المعروف بابن العبري. لم يكن هذا الكتاب الطريف معروفا في المكتبة العربية حتى قام زميلنا الدكتور نجم عبد الله مصطفى بترجمته واصداره مؤخرا، ضمن سلسلة ذخائر التراث.

الف ابن العبري، وكان من مواطني الموصل في العراق، هذا الكتاب في القرن الثالث عشر باللغة السريانية ولهذا لم يدخل ضمن سقف الأدب العربي، وبقي محصورا في النسخة السريانية المحفوظة في مكتبة الفاتيكان. وظل مجهولا حتى قام بترجمته الى اللغة الانكليزية واليس بودج عام 1896. ومنها ترجم الدكتور نجم هذه النسخة العربية.

يضم كتاب laquo;دفع الهمraquo; فصولا ونتفا وطرائف وحكميات منتقاة من شتى الحضارات، انطلاقا من الأغريق الى العرب والفرس والهند. الكثير منها معروف في بطون المؤلفات الكلاسيكية المعروفة. بيد انني وجدت طرافة خاصة في فصل laquo;نوادر واحاديث الزهاد المسيحيينraquo;. فهذه حكايات واقوال جرت بين جدران الأديرة والكنائس، ولا سيما في المنطقة المسيحية من شمال العراق في بلدات مثل بعشيقة وتلكيف. لا ادري كم ذاع أمرها بين الرعية والاتباع. اشك في ان المسلمين او اليهود سمعوا بها.

الطريف في اكثرها انها تعبر عن هلع الرهبان والنساك من المرأة ومن الجنس بصورة عامة. يقول ابن العبري laquo;كلما تصيب شهوة الجماع الأب باخوميوس، اعتاد على ان يلقي بنفسه عاريا امام وجر الضبع، ويقرب من جسمه حية صحراوية لتلدغه. ولم يذهب إلى مدينة أو قرية لكي لا يرى امرأةraquo;.

وحدث يوما ان الأب ابراهام قال للأب سيسوس laquo;ابونا لقد كبرت، فدعنا نذهب لنعيش بين البشرraquo;. فأجابه قائلا laquo;دعنا نذهب الى حيث لا توجد امرأةraquo;.

ولكن الشهوة كانت تغلب بعض الرهبان على ما يظهر، فيتركون صومعتهم ويخرجون للناس ويتزوجون. تقول الحكاية ان اخوين اثنين خرجا الى العالم واتخذا زوجتين، ولكنهما ندما على ذلك، ورجعا الى صومعتيهما. وبعدما انتهت فترة ندمهما وخرجا من نسكهما، كان وجه احدهما حزينا ووجه الآخر مرحا ومشعا. وبعد ان رآهما ابوهما شك الجميع فيما اذا كانا مخلصين في ندمهما، فقالوا laquo;احدهما تبصر في خطاياه، والآخر في رحمة اللهraquo;.