علي السيد


ماذا تفعل الشجرة المثمرة، وارفة الظلال حين يرشقها الصغار بحجارتهم، غير ان تعطيهم من خيراتها الكثير، ليسدوا خواء بطونهم، رغم انها لو ألقت بغصن من اغصانها علي رؤوسهم الفارغة لهلكوا، لكن ساعتها لن تكون شجرة خير.. وهكذا أري محمد حسنين هيكل raquo;الاستاذlaquo; كشجرة عملاقة تظلل الجميع بصدقها، ولا يضرها نقش الطيور علي جذعها الراسخ، وربما لا تشعر الشجرة العظيمة، بعبث الصغار المتعجلين جني الثمار قبل ان تنضج،

لكن مثلي من ابناء مهنة الصحافة يعتقدون ان هذا الهجوم فج وغير مبرر، مع استخدام الفاظ وعبارات تدل علي عمق الانحراف وتضخم الفساد لدي هؤلاء الذين يستخدمون اقلامهم الرخوة والمبيعة سلفاً لتجار الحديد والخردة، في التطاول علي قامة عملاقة شيدها صاحبها عبر سنوات من الصبر والكفاح حتي لاقي بها التفرد، الذي يراه الغرباء قيمة لا تضاهي، ويراه المختلفون في الرأي والمغايرون في المفاهيم اضافة ضرورية وحتمية لإثراء الفكر وتبصير العقول.

هؤلاء الصغار الذين يتطاولون علي raquo;الاستاذlaquo; هيكل يكتبون بالانابة عن اصحاب المصالح الكبيرة في استمرار منظومة الفساد الحالية، فضمان بقائها كما هي يعني استمرارهم في نهب ثروات الشعب المصري وسرقة حاضره ومستقبله.

وهؤلاء الكتبة اصحاب الامكانات المتواضعة التي لاتليق بمتدربي الصحافة باعوا انفسهم لعصبة الشر مقابل مناصب أكبر مئات المرات من امكاناتهم، وبالتالي التصقوا بهؤلاء التجار، ورهنوا كل حياتهم تحت احذية سادتهم الذي يملكون العطاء والمنع، رغم علم الطرفين، raquo;الكتبة بالانابة وسادتهم من كبار اللصوصlaquo; أنه لا احد يلتفت الي ترهاتهم وبذاءاتهم وعدوانيتهم تجاه رجل يشهد له الجميع بالصدق والامانة والعفة، وربما يختلف معه البعض حول بعض رؤاه وافكاره، وهذا ليس عيبا بل ان الاستاذ نفسه يرحب به، وتجربته الصحفية تؤكد ذلك حين استكتب أصحاب الآراء المتباينة والمتضاربة وأصحاب الرؤي المفارقة لوجهة نظره بغير تفريق او تفضيل حين كان يحتل اكبر موقع صحفي في مصر، بل لم يخاصم المتخاصمين والمتصادمين مع الثورة وسعي لأن يستكتبهم جميعا بغير محاذير وشروط استثنائية، وكان يقول عنهم لجمال عبد الناصر: raquo;ما الذي اريده لكل هذا الحشد من قادة الفكر والمثقفين، انهم ليسوا مجرد حلية ذهبية، لكنهم دور لا غني لمصر عنه، ولا غني له عنهاlaquo;.

واذا ما تساءلنا: من هؤلاء الذين يهاجمون هيكل؟ وما وزنهم في عالم الصحافة؟ وما اهمية صحفهم؟ سنكتشف دون عناء انهم اسماء مجهولة الا لجهات بوليسية يعملون لديها أجراء بدرجة اقل من درجة الخفير الخصوصي، او لأولياء نعمتهم من سراق المال العام والخاص.. اما صحفهم التي تطبع من اجل الا تقرأ، فيرفضها حتي اصحاب البقالات والمطاعم الشعبية لأنها ملوثة.. واذا ما تساءلنا: ومن الذي يهاجمونه؟ سنحتاج الي مجلدات لنعرفه وهو الغني عن التعريف، والاكبر من ان نصفه بألقاب توزع علي الجميع، واذا ما نظرنا الي تاريخه المهني الذي يزيد علي نصف قرن سنكتشف اننا امام تجربة فذة يقتدي بها كل من امتهن الصحافة.

فالرجل ـ عبر عدة تجارب سياسية ـ من الملك فاروق الي الرئيس جمال عبد الناصر، ثم انور السادات، ثم محمد حسني مبارك، لم يساوم ولم يقايض ولم يزيف حقيقة، وفضل السجن علي ان يجاري انور السادات الذي كان في وقت ما من اقرب الناس اليه، والذي حاول مرات عديدة وبوساطات كثيرة ان يسترضيه ويستميله.. تارة بعرض وظائف مهمة عليه، وتارة اخري بالضغط، لكنه رفض وقال كل ما يمكن ان يقال من رجل وطني لا يطمع في مناصب زائلة، لأنه يري ان الصحفي المحترم افضل مائة مرة من كل المناصب الرفيعة.. رفض ان يكون نائبا لرئيس الوزراء، او مستشارا للامن القومي، او رئيسا لديوان رئيس الجمهورية، وأصر علي ان يقول للسادات ما قاده في النهاية الي السجن.

واستطاع هيكل بعد ان اقاله السادات من رئاسة raquo;الاهرامlaquo; ان يثبت انه هو نفسه، سواء أكان في قلب الواجهة او بعيدا عنها، وفي اليوم نفسه الذي خرج فيه من raquo;الاهرامlaquo; جلس ليكتب raquo;الطريق الي رمضانlaquo; باللغة الانجليزية، وقد صنف بعد ان نشرته raquo;التليجرافlaquo; كواحد من اهم كتاب العالم مما أزعج كثيرين ومنهم raquo;الساداتlaquo;، الذي ظل طوال ستة اشهر من خروج raquo;هيكلlaquo; من raquo;الاهرامlaquo; يلح عبر وسطاء في ان يتولي هيكل احد المناصب، كما روي الاستاذ في حواره مع الشاعر الكبير عبدالرحمن الابنودي، وكنت شاهدا وكاتبا لهذا الحوار، اذ تحدث عبد الفتاح عبدالله الذي كان يعمل وزير دولة في ذلك الوقت الي هيكل قائلا: raquo;لقد خصصنا جناحاً في قصر عابدين، ولك ان تنتدب من تريد ان يعمل معك في raquo;الاهرامlaquo;.. وهناك سيارات مخصصة لك.. اين تريد ان نرسلها لكlaquo;، فرد هيكل بالرفض، وعليه زاره في بيته سيد مرعي، واسماعيل فهمي، واشرف مروان قائلين له: raquo;ان رفضك يعتبر تمرداlaquo;، فرد بأنه سيناقش الامر مع الرئيس عندما يراه، لكنهم اخبروه بأن الرئيس سيراه بعد ان يتسلم منصبه.

وبعد مرور ستة اشهر كان هيكل خلالها يمارس عمله بالوتيرة نفسها، واثناء ذلك اتصل به الرئيس السادات، ليسأله: إنت بتعمل ايه؟ فقال هيكل raquo;اكتبlaquo;، فقال السادات: raquo;إنت مش هتبطل المهنة الوسخة دي؟laquo; فرد هيكل: raquo;المهنة ليست وسخةlaquo;، ويهمني هنا ان اشير الي انني لم انشر كلمة raquo;وسخةlaquo; بناء علي طلب الاستاذ الذي اعتاد ان يقول اجمل الكلام واصدقه، ونشر الكلمة الآن أراه ضرورة كاشفة للذوق والاخلاق الرفيعة التي يتمتع بها الاستاذ الذي لايقبل ان يجرح او يهين احداً، علا شأنه او صغر، والقصة كلها اعيد نشرها ليقر في صدور الجميع ان هيكل لم يكن يوما من طلاب المناصب او محبذيها، لأنه علي يقين ان الصحفي اهم واكبر من اي مناصب، وربما كان هذا درسا تعلمه حين كان في العشرين من عمره من raquo;هارولد إيرلlaquo; رئيس تحرير raquo;الايجيبشيان جازيتlaquo; عندما لاحظ ارتباكة ما عند هيكل الذي كان يستعد لاجراء مقابلة مع الزعيم مصطفي باشا النحاس رئيس الحكومة وزعيم الوفد والامة، فقال هارولد لهيكل: raquo;انت تمثل جريدة تطبع عشرات الآلاف من النسخ، وتأثيرها نافذ في مجتمع النخبة المصرية، ولابد ان تدرك منذ الآن ان الصحفي ند لرئيس الحكومةlaquo;، كما ورد في الموضوع الذي نشر في مجلة raquo;الرجل اليومlaquo; الاماراتية قبل ثلاثة اعوام، بعد ان اقترحت علي الصديق والاديب الاماراتي ناصر الظاهري ان يكون raquo;هيكلlaquo; غلافا لمجلة raquo;الرجل اليومlaquo; مع حوار او موضوع يليق بـ raquo;الاستاذlaquo; في المجلة، فوافقني الظاهري علي الفور، ليكون هيكل غلافا للعدد الثاني من المجلة الجديدة التي كان غلاف عددها الاول للملك محمد السادس ملك المغرب، مع نشر مقابلة معه، وعليه احضرت بعض الصور الي التقطت لهيكل في الحوار الذي دار بينه وبين الفنان نور الشريف، وكنت ايضا شاهدا وكاتبا لهذا الحوار المنشور في مجلة raquo;نصف الدنياlaquo;، ورشحت احدي هذه الصور لتكون غلافا، وبالفعل قبل الظاهري الذي كان رئيسا للمؤسسة العربية للصحافة والاعلام، التي تصدر عنها مجلة raquo;الرجل اليومlaquo;، اقتراحي فكان هذا العدد من الاعداد المتفردة لمجلة raquo;الرجل اليومlaquo;.

واذا كان هيكل قد ظل ولايزال متربعاً علي قمة الصحافة، ومحافظا علي هذه القمة بإخلاص وتفان في العمل طوال اكثر من نصف قرن، فإن ذلك يعد درسا مهما وتجربة نادرة تستحق الاقتداء، فهيكل كان نجماً وفارسا، ايام الملكية، ومنافسا للكبار الذين تعلم منهم في البداية مثل محمد التابعي، لانه لم يتبع غير الحقيقة رغم كثرة الاهواء والتيارات في هذا الوقت، بل وحاز عدة جوائز صحفية، ولم يعرف عنه انه كان تابعاً لاحد رجال السياسة او محسوبا علي تيار بعينه في ذلك العهد.

وفي عهد عبدالناصر لم يكن مضحك السلطان او منافقه، بل كان قريبا للدرجة التي تسمح له بإبداء الرأي وإسداء المشورة الشجاعة وغير المرتعشة، فعندما قامت الثورة تسابق كثيرون من خدام الملكية ليرهنوا اقلامم عند اقدام كل من له صلة بقيادة الثورة، في الوقت الذي كانت فيه قامة هيكل متساوية، علي الاقل بما يتناسب مع جلال البداية، مع قامة الثوار، بل تجاوزت واصبح صاحب العقل المفكر للثورة في كثير من المواقف، ولم يكن منسحقا امام قائدها، كما فعل كثيرون، بل كان صادقا الي الدرجة التي بنيت عليها اهم صداقة بين صحفي وسياسي، ومع ذلك لم يكن هيكل يقول ما يريده عبد الناصر، بل كثيراً ما كان يخالفه، فوحده محمد حسنين هيكل الذي قال لعبد الناصر: raquo;ان هناك اعتمادا علي السلطة اكثر مما يجب في السياسة الداخلية، واعتمادا علي القوة اكثر مما يجب في السياسة الخارجيةlaquo;، لذلك كانت مقولة عبدالناصر عن هيكل: raquo;انه الوحيد الذي يفهمني بسرعةlaquo; صادقة وتدل علي عمق ومتانة الصداقة التي ربطت بين الرئيس والصحفي.

وحين جاء السادات رئيسا استمرت الصداقة قوية ومتينة الي ان قامت حرب اكتوبر وما تخللها وتلاها من احداث عارضها هيكل جملة وتفصيلا، ولم يتهادن مع السادات رغم ان الرجل كان قد أحكم سيطرته علي مقاليد الحكم في مصر، وكانت النتيجة ان ذهب هيكل مع غيره الي السجن.. ومنذ بداية الثمانينات وحتي اليوم لم يتراجع هيكل قيد أنملة عن كلام قاله، ولم يفكر في ان تكون علاقته عدوانية او وثيقة بالنظام الحالي، وانما ظل علي مبادئه وقيمه شامخاً يقول كلمته الصادقة اينما حل، يقولها في مقال فتلف ارجاء الدنيا كلها، يقولها في محاضرة فتبثها الفضائيات، يقولها في ندوة تزحف اليها جماهير غفيرة، فترتعش الايدي القابضة علي الاعناق، وتتململ اجسادهم الجاثمة علي صدر الوطن، وحين يشعرون بثقل كلمته يلغون ندوته السنوية، فيجري الناس خلف كلماته المنشورة، ويتابعونه اينما تكلم.. وحين يغضبون علي قناة تليفزيونية تجاسرت وبثت محاضرة للاستاذ، فتفتح له كل قنوات الدنيا هواءها، فيختار واحدة فقط.. هل رأيتموه في حواره الاخير مع قناة raquo;الجزيرةlaquo; كم كان متألقا، حاضر الذهن، صافي الروح، رائق القلب.. يحلل بعمق يندر ان نسمع مثله، في كل التحليلات السياسية.

هذا هو هيكل الوحيد الذي يليق به لقب raquo;الاستاذlaquo;.. هذا هو محمد حسنين هيكل الصحفي من قبل ومن بعد..

فمن هؤلاء الذين يهاجمونه؟ انهم الصغار في الصحافة المصرية.. صغار لدرجة انه لا أحد يراهم، رغم فداحة جرائمهم، فهؤلاء الذين انتفخت بطونهم من السحت شوهوا ومسخوا مؤسسات صحفية كانت رائدة في التنوير والتثقيف وتصدير الفكر الراقي فأصبحت علي ايدي هؤلاء الصغار المتدربين مؤسسات رائدة في السطحية والابتذال والضلال ونشر الفكر الغوغائي.

لقد حولوا مؤسسات مزدهرة الي ارض بور خربة.. انهم مثل الدببة يقتلون اصحابهم، ثم يرجمهم الناس بعد ان يحفروا لانفسهم حفرا اكثر عمقا.

سيظل هيكل عنوانا اذا ما عرفناه لن نضل الطريق.

آخر سطر: مندوبو الامن في الصحف القومية ـ وحدهم ـ ينافسون علي المناصب القيادية، وسيفوزون مثلما فاز غيرهم، لنتأكد أن السقوط المدوي مقبل لا محالة.