فيليب ستيفنز - فايننشال تايمز
لنعد بذاكرتنا إلى تلك الأيام المنعشة التي تلت سقوط جدار برلين. انهيار الشيوعية، وازدهار الديمقراطية في أوروبا الشرقية، ومجتمع دولي متحد خلف طرد صدام حسين من الكويت. ولم يعترض أحد حين كتب أستاذ بارز في العلوم السياسية عن نهاية التاريخ، وحين أعلن الرئيس جورج بوش الأب النظام العالمي الجديد. كانت أمريكا محبوبة. وكان العالم يبدو حينئذ قانعاً بالعيش في ظل السيادة الأمريكية الحميدة.
والآن؟ السيادة للفوضى. فالولايات المتحدة عالقة في صراع لا يمكن كسبه في العراق، وجماعة الأطلسي أصابها التصدع، والنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني في حالة تقيح، والولايات المتحدة تشهد تحدياً ليس فقط من القوى الصاعدة في آسيا، بل من موجة عالمية من العداء. وعلى حد تعبير المؤلف: quot;فقدت الزعامة الأمريكية معظم شرعيتها، وتقوضت الصدقية العالمية للرئاسة الأمريكية، وتلوثت الصورة الأخلاقية لأمريكاquot;. لقد عدنا أدراجنا إلى بداية التاريخ.
لا بد أن القارئ استنتج مما تقدم أن زبجنيو برزنيسكي، أو زبيج كما يطلق عليه أصدقاؤه، ناقد لا يرحم للسياسة الخارجية التي يتبعها الرئيس بوش الثاني. وخلال عامي 2002 و2003 كان برزنيسكي من أبرز أعضاء مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن الذين أعلنوا عن معارضتهم الشديدة لغزو العراق. ولما كان على حق حينئذ، فإنه الآن يعطينا ومضاته الذهنية المشرقة. فهذا الكتاب القصير الممتاز (240 صفحة) لا يقتصر فقط على أخطاء الإدارة الحالية في السياسة الخارجية. صحيح أن الرئيس الأمريكي جورج بوش يتعرض لانتقادات لاذعة في الكتاب، خصوصاً حول سياسته في العراق وحول منهجه الأحادي المتحيز في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. لكن الأمر الذي يجعل معالجة برزنيسكي مثيرة للاهتمام، وفي بعض المقاطع شاقة فكرياً، هو المعنى الذي يضفيه على الدوامة العظيمة للقوى المتغيرة التي رسمت سياق الأحداث.
وهناك عبارة أصبحت مبتذلة من كثرة تكرارها، وهي أن العالم يمر الآن بفترة من التغيرات السياسية والاقتصادية العنيفة. لكن هذه العبارة مع ذلك تضفي قدراً من التشويش بخصوص العواقب مثلما تعطي من التحليل. إن برزنيسكي، الذي كان قبل ربع قرن مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي جيمي كارتر، يبدد الضباب ليعطينا صورة واضحة هي موضع ترحيب.
نقطة انطلاق المؤلف هي الفرصة التي سنحت للولايات المتحدة عقب انتصارها في الحرب الباردة. ويقول لو أن أحد الناس استطلع الرأي العام العالمي في أوائل تسعينيات القرن العشرين، لكان هناك تأييد مقنع لأن تحتل الولايات المتحدة موقع ربان الأمن الدولي الذي يرغب فيه الناس أكثر ما يمكن. ويتحمل جميع الرؤساء الثلاثة الذين تولوا مقاليد الأمور منذ ذلك الحين، وهم جورج بوش الأول وبيل كلينتون وجورج بوش الثاني، بعض المسؤولية في حقيقة أن هذه الفكرة ليست هي واقع الحال هذه الأيام.
ويرى برزنيسكي أن أول أولئك الرؤساء كان يمتلك التكتيكات الصحيحة في حالات كثيرة، لكن فاتتة الفرص الاستراتيجية الكبرى التي ليس أقلها احتمالات التوصل إلى تسوية سلمية في الشرق الأوسط، بعد حرب الخليج الأولى. وهو يحصل على درجة quot;بيquot; على بطاقة مؤلف هذا التقرير. أما كلينتون، الزميل الديمقراطي، فورث أمريكا دون منافس خارجي لها، وأخفق في اغتنام الفرصة لإيجاد هيكل جديد للزعامة الأمريكية.
وكان كلينتون عرضة للتردد الذي يمر به من يتعامل مع أعداء يتغيرون يوماً بعد يوم، ما جعله يعطي الشرق الأوسط اهتماماً عرضياً. ولا يستحق بهذا الأسلوب غير المتكافئ سوى تقدير quot;مقبولquot;.
أما تقدير quot;إفquot;، أو الراسب، فهو محفوظ لجورج بوش الابن، ليس فقط في العراق، بل كذلك بسبب تمزيق حلف الأطلسي، وزيادة العداء العالمي لأمريكا. وفشلت هذه الإدارة ببساطة في فهم quot;القدرة على التدميرquot; التي مثلتها قوة عسكرية أمريكية لا مثيل لها بعد عصر استعماري، وضرورة تحويلها إلى quot;قدرة على السيطرةquot;.
ومعظم الانتقاد يتناول وقائع، وإن كان بعبارات شديدة القسوة. ويذهب بعيدا جدا في بعض أجزائه، إذ يشن برزنيسكي هجوما على ترويج الديمقراطية. والقول إن إدارة بوش لم تفهم أن الديمقراطية تستند إلى أساسات أقوى من صندوق الاقتراع، لا يلغي فكرة أنها التنظيم السياسي الأكثر مساعدة على تحقيق الكرامة الإنسانية. والسياسة الخارجية، كما يبدو أن المؤلف يعترف به، بحاجة إلى دفعة أخلاقية.
فهل لدى أمريكا تلك الفرصة الثانية التي وضعها المؤلف في عنوان كتابه؟ حسنا، نعم ولا. فليس هناك مجال للعودة إلى أوائل التسعينيات لأسباب ليس أقلها السمة المضادة للغرب quot;للصحوة السياسية العالميةquot; في العالم النامي. فقد أصبح العداء للغرب quot;جزءا من التوازن العالمي الديمغرافي (السكاني)، والاقتصادي، والسياسي المتغيرquot;.
استنادا إلى ما قيل، لا توجد فرصة أمام الرئيس المقبل. وليست هناك أية قوة أخرى ذات نفوذ عالمي يمكنها لعب الدور الذي يمكن لأمريكا أن تلعبه كنقطة ارتكاز للنظام العالمي. وبرزنيسكي على حق حين يقول إن البديل الأكثر احتمالاً لدور أمريكي عالمي إيجابي، هو الفوضى.
وما يتطلبه ذلك من خليفة بوش هو الثقة والتواضع. إنها الثقة اللازمة لتهدئة خوف الناخبين الأمريكيين من العالم الذي غذاه رد فعل الرئيس بوش على هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001. أما التواضع، فهو للإقرار بأن الآخرين يستحقون دوراً في إعادة تشكيل النظام العالمي. لكن ما هو بديل ذلك؟ إنه وجود الولايات المتحدة ديمقراطية قوية، لكنها مرعبة في عالمٍ معادٍ سياسياً.













التعليقات