خالص جلبي

لنتصور خلايا سرطانية في جسدنا تتمرد علينا، فماذا يحدث على وجه الدقة؟ في الواقع، ومع خلية سرطانية واحدة، يبدأ الجسم في قطع مسلسل إعادة نفسه في درب الاستمرارية بل الفناء ولكن بطريقة عجيبة!

في أول الأمر لن يبقى أي نظام ضابط في الجسم، ويحدث تحول ثلاثي الأبعاد في وظيفة الخلية ومكان عملها ثم تأثيرها في البدن عموما...

وما يحدث في البيولوجيا يحدث في مستوى المجتمع. وفي الواقع فإن المتمردين والثوار، خلايا سرطانية للجسد الاجتماعي، وعلى المجتمع مكافحة هؤلاء quot;الصابئينquot;... السرطانيين!

ولو كنا في زمن نبي يحاول قلب بنية المجتمع الثقافية والسياسية، أو مصلح اجتماعي ثوري؛ فلن يقف كل المجتمع في جانبه ينصره، بل سيحاربه حرباً لا هوادة فيها، لأنه يقطع رحلة هدوئه واستمراره، وستعتبره بعض الشرائح الاجتماعية quot;صابئاً سرطانياًquot;، يستحق الضرب بالحجارة، وإيذائه بسفيه الكلام، واستئصاله وإراحة الناس منه، فالمجتمع لا يرحب بمقلقي النوم العام، وما يريده الجو العام عادة من كلام فهو من النوع الذي لا يوقظ نائماً ولا يزعج مستيقظاً!

وهنا تبرز متحارجتان أمام من يثور على النظام الاجتماعي أي التحول السرطاني؛ فإن كان الخارج عن النظام كذاباً، فهو لن يصمد أمام جبروت المجتمع فيطوي لسانه، وإذا كان دعياً فسينزوي ولو بعد حين طلباً للسلامة. أما إن كان صادقاً في دعواه، فسيستمر في دعوته، بسبب ضغط الأفكار وزخمها ودفعها الروحي المستمر، الذي يحرمه الراحة، ما لم يتخلص من هذا الاحتقان والفيض الداخلي، لذا كان الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين يخضعون لقانوني العزلة والعودة مع الهجرة في الغالب. فأما العزلة فهي وضع روحي من التصفية الداخلية والمصالحة الجوانية لحين تجلي الأمر في نفس الداعية، فيرجع إلى قومه وقد عزم على المضي بالفكرة ولو بموته..

فإما قبلت المنطقة التي نشأ فيها فكرته، وهي في الغالب لن تقبل وإما هاجر، أي النزوح عن مناطق دعوته إلى مناطق أخرى، تنتشر فيها مبادئه...

والناظر في التاريخ يرى تكرر هذا النموذج؛ فالمدينة استقبلت الإسلام، وروما اعتنقت المسيحية، ونبي الإسلام خرج من مكة، والمسيح من الناصرة.

وكان الفيلسوف محمد إقبال يناجي ربه فيقول: يا رب إما أن تأخذ عني هذه الأفكار أو ترسل لي من يفهمني! هؤلاء الأفراد المتميزون النادرون المشعون، هم الذين يعانون، ويمضون في طريقهم فرادى، قبل أن يلتحق بهم القطيع، ولو بعد حين أو جيل أو أجيال.

وحسب معنى الحديث الشريف، فإنه يأتي النبي يوم القيامة، ومعه الرجل والرجلان، ويأتي النبي ليس معه أحد...

والكثير من الأفكار تولد في أمكنة وتربة غير صالحة فتترك المكان مثل الماء حتى ينبجس ينابيع في أماكن تنبِتُ الزرع والضرع...

وعند هذه النقطة بالذات يتطور المجتمع؛ لأنه يأخذ الفكرة بعد صراع ضارٍ وتمحيص طويل؛ فيعتنقها بعشق وتقديس؛ لأنه يصاب بعدوى عشق الحقيقة من مصدرها، ويطبقها بكل جبروته الساحق الماحق؛ فهذه هي آلية عذاب الأفراد، ومعاناة الصراع الاجتماعي، وتبدل المجتمع وتطوره نحو الأفضل في سياق قانون صارم، حتى يدخل في دورة جديدة، تخبو فيها نار الحقيقة، وتتحول فيها الأطراف بالكلية؛ تأخذ كل مجموعة محل الأخرى في صورة مقلوبة تماماً، ويجمد المجتمع على رؤية أحادية، حتى تنبعث نار الحقيقة من الرماد ثانية، على يد مصلح ثوري جديد مشته نار الحقيقة التي حرمته الرقاد والراحة، فتبدأ جولة جديدة من الصراع الاجتماعي، لا يتفطن لها أحد ممن يخوضون غمارها، لكن التاريخ يسجلها بعد ذلك.

سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

وفي مثل أيامنا الحالية، فإن الوضع العربي، بأمس الحاجة لهذه النماذج النادرة الصادقة الطاهرة، لتشعل الأمل في دياجير الظلام التي تطوق الوضع العربي؟؟

فهل سيظهر مثل هذا النور في الأفق بين مذابح أهلية، وجنون متعصبين وديكتاتوريات متجبرة وحكومات هزيلة، وشعوب تافهة ونفوس مريضة وشخصيات مسؤولة فاسدة، وأناس قد استولى عليهم اليأس من الجهات الأربع؟!