د. محمد السيد سعيد

أخذت في تقليب صفحات الجرائد العربية والأجنبية حتى اليوم، فلم أجد أخباراً تذكر عن مؤتمر شرم الشيخ الذي يعقد بعد ساعات. المؤتمر يتسع لمستويين من المعالجات لقضية العراق: أمني واقتصادي. والمفهوم أن هدف المؤتمر هو التوصل لصيغة من أجل إحلال السلام في هذا البلد العربي العظيم والمنكوب وإعادة إعماره. وهنا يكمن سر الدهشة. السلام والحرب في العراق هو الملف الذي قد يحدد مصير العالم بدون أدنى مبالغة. فلماذا إذن لا تكاد الصحف العربية والأجنبية تلقي بالاً لهذا المؤتمر؟

على العكس تماماً. العناوين الرئيسية بالصحف العربية والأجنبية خلال الأيام الماضية تابعتْ بسخونة واهتمام شديدين شتى قصص العنف على المستوى الإقليمي: إجهاض عملية إرهابية ضخمة في المملكة العربية السعودية، عمليات إرهابية في باكستان، بعد عمليات أخرى في تركيا والجزائر والمغرب، مخاوف من انقلاب عسكري خامس في تركيا بسبب إصرار حزاب quot;العدالة والتنميةquot; على ترشيح عبدالله جول لمنصب الرئاسة، مخاوف أخرى من تجدد الحرب الباردة بسبب نشر الدرع الصاروخي في أوروبا، تعبئة عامة ضد quot;الحوثيينquot; في اليمن، وفوق ذلك وقبل كل شيء حساب يومي لأعداد القتلى والجرحى والعمليات الانتحارية والتفجيرات الجماعية وأنشطة فرق الموت يوماً بيوم في العراق.

وحتى في حدود الحيز الذي قد يشغله مؤتمر شرم الشيخ، فالقول المأثور quot;لولا سلامك سبق كلامك لأكلت لحمك قبل عظامكquot;، هو أبلغ ما يعبر عن واقع الحال. وبتعبير آخر يبدو أن مؤتمر شرم الشيخ للأمن وإعادة الإعمار في العراق هو جعجعة كلام سلام وسط قعقعة الأسلحة وضجة الحروب الباردة والساخنة معاً.

وفيما وراء هذا التجاهل العام لمؤتمر شرم الشيخ، ثمة أسباب أخرى غير ما يجري بالفعل من أعمال عنف مشهود. ببساطة لم نعد نصدق أن السلام الحقيقي ممكن في الأمد المنظور، لا في العراق ولا على المستوى الفلسطيني- الإسرائيلي. ونخشى على سمعة شرم الشيخ السياحية من أن تهدر وسط سمعتها كمدينة لمؤتمرات الكلام والسلام المجهض أو ربما... السلام المستحيل.

سمعة المؤتمرات الدولية الكبيرة التي استضافتها شرم الشيخ أو مدن أخرى أوروبية أو عربية صارت بذاتها سيئة كمجرد كلام كبير وكثير لا طائل من ورائه. وتطارد هذه السمعة غير الحسنة المؤتمر المزمع حول العراق في شرم الشيخ فتدفع الصحافة لتجاهله بالمقارنة مع المتابعة الساخنة لوقائع العنف والحرب. ففي أرض عربية مثخنة بالجراح تبدو الدعوة للأمن أو حتى للسلام بعيدة بأميال ضوئية عن الواقع.

وإن بقينا مع مؤتمر شرم الشيخ... لا تزال لدينا أسباب أعمق للشكوك. فقد تدهورت سمعة المؤتمرات الدولية الكبيرة والعملاقة بسبب مدرسة دبلوماسية عبقرية شكلاً وإن صارت عقيمة موضوعاً وأثراً.

المدرسة التي نتحدث عنها تقوم على ثلاثة أفكار رئيسية: الدبلوماسية الشفافة، والأطر الجماعية للتفاوض الدولي كأسلوب لاتخاذ القرار وصنع السياسة الدولية، وأخيراً فكرة الصفقات الشاملة.

ولد الفن الدبلوماسي في أحضان السرية. ولا زالت أهم الصفقات السياسية، وخاصة تلك المتعلقة بإنهاء الحروب والصراعات الدولية الكبيرة وعقود السلام (والسلاح) تتم في إطار الدبلوماسية السرية. وغالباً ما تضمن السرية قدراً كبيراً من الجدية ولكنها تعاني في الوقت نفسه من إمكانية التراجع ومن التفلت من رقابة الرأي العام والتحلل من التزامات القانون الدولي من ناحية المبدأ. ولهذه الأسباب فإن دخول الشعوب طرفاً رئيسياً في صنع السياسة أو الرقابة عليها يحتم التحول إلى الدبلوماسية العلنية وشبه العلنية. ولأن القرارات الدولية الكبرى يجب أن تستند الى القانون الدولي فإن الأمم المتحدة لم تخترع ولكنها عممت فكرة المفاوضات الشفافة أو العلنية وطبقتها على منظومة المؤتمرات الدولية الكبيرة حول الشؤون العالمية. وسمحت هذه المدرسة الدبلوماسية بإشراك المجتمع المدني العالمي ممثلاً في المنظمات غير الحكومية في هذه المؤتمرات بل وأعلنت عن هدفها في استغلال هذه المنظمات للضغط على الحكومات من أجل التوصل إلى نتائج مرغوبة من وجهة نظر الضمير الإنساني والمصالح المشتركة للبشرية.

ومن ناحية ثانية فإن هذا الطراز من المؤتمرات شكل إطاراً مناسباً للتفاوض بين أعداد كبيرة من الدول. وبينما ظلت الجمعية العامة للأمم المتحدة إطاراً مقبولاً تماماً للمفاوضات الدولية الكبيرة العدد، فإنها تخضع لقواعد شكلية أكثر صرامة بحكم الميثاق، وأيضاً بتأثير العرف الدولي. ولا يكاد العالم يحتمل أن تفشل الجمعية العامة، ولذلك فإن المؤتمرات الدولية العملاقة والتي تضم أحياناً كل أو غالبية أعضاء الجمعية العامة، ولكنها تعقد خارج مبنى ونسق الأمم المتحدة، تمثل بمعنى معين صمام أمان لمنظومة الجمعية العامة، لأنها يمكن أن تفشل في جزء من العملية التفاوضية وتنجح في جزء آخر أو قد تفشل كلية. وفي هذه الحالات لا تتحمل منظومة الأمم المتحدة تبعات الفشل...

ومن ناحية ثالثة استهدفت هذه المدرسة الدبلوماسية التأكيد على ديمقراطية القرار الدولي، بأن أدخلت أعداداً كبيرة من الدول والمنظمات غير الحكومية أحياناً في صلب العملية التفاوضية من أجل التوصل إلى الصفقات الشاملة، خاصة فيما يتصل بالقضايا الكونية بطبيعتها أو التي صارت كونية بحكم تطورات التكنولوجيا والاقتصاد العالمي.

وبالفعل نجحت دبلوماسية المفاوضات الجماعية في إنتاج عدد من أهم الاتفاقيات الدولية مثل مواثيق جنيف الخاصة بالقانون الدولي الإنساني واتفاقيات وعهود حقوق الإنسان واتفاقية كيوتو للبيئة. وكذلك نجحت في إنتاج عدد من الاتفاقيات الاقتصادية الكبرى.

لكن أسلوب الولايات المتحدة في فرض هيمنتها الأحادية على النظام الدولي أفسد هذه المدرسة الدبلوماسية وأدى إلى اصابتها بالعقم المتزايد وخاصة عند تخصيصها لمناقشة الصراعات الدولية.

فبدلاً من الشفافية المفيدة، صارت هذه المؤتمرات مناسبات للدعاية والعلاقات الدولية العامة. وبدلاً من الجماعية صارت تستبعد دولاً أساسية كثيرة تبعاً لما تريده الولايات المتحدة. وفقدت هذه المؤتمرات أهم مزاياها على الإطلاق وهى فكرة توازن المصالح والصفقات الشاملة. وعندما تهدر هذه المزية يكاد يستحيل أن تنجح في حل الصراعات الدولية. ولهذا السبب فشل مؤتمر جنيف للسلام عام 1991 وفشلت مؤتمرات شرم الشيخ في إنتاج حل عادل وشامل ودائم للصراع العربي- الإسرائيلي أو إنقاذ السلام من السياسات العدوانية الإسرائيلية والأميركية.

وقد ينجح مؤتمر شرم الشيخ في إصدار ما يسمى بوثيقة العهد التي تلزم المجتمع الدولي بالمساهمة في إعادة إعمار العراق. لكن أثبت الواقع أن إعادة الإعمار وهمٌ محضٌ إن لم يعقب سلاماً حقيقياً يضمن تحرير العراق من الاحتلال وبناء دولة ديمقراطية تحقق توازناً حقيقياً لصالح جميع العراقيين. ويستبعد مؤتمر شرم الشيخ مناقشة تصفية الاحتلال الأميركي للعراق. ولم تبذل الدول الكبرى أية جهود حقيقية في التحضير لهذا المؤتمر لوضع صفقة تسوية شاملة للقضية العراقية.

فلماذا إذن يعقد هذا المؤتمر؟ يبدو أنه يعقد لمجرد جس النبض، وخاصة بين أميركا وإيران. أو ربما يعقد كسوق سياسي مؤقت ينتظم بسرعة ويمضي بنفس السرعة دون أن يكون قد باع شيئاً غير وهم السلام وإعادة الإعمار.